لا تصح إلا بعد الإقلاع عن سائر الذنوب ليتحقق معنى صلاحه . ويطلق القبول ويراد ما وعد الله به من غفران الذنوب الماضية قبل التوبة ، وهذا أحسبهم لا يختلفون في كونه سمعيا لا عقليا ، إذ العقل لا يقتضي الصفح عن الذنوب الفارطة عند الإقلاع عن إتيان أمثالها في المستقبل ، وهذا هو المختلف في كونه قطعيا أو ظنيا ، ويطلق القبول على معنى قبول التوبة من حيث إنها في ذاتها عمل مأمور به كل مذنب ، أي بمعنى أنها إبطال الإصرار على الذنوب التي كان مصرا على إتيانها ، فإن إبطال الإصرار مأمور به لأنه من ذنوب القلب فيجب تطهير القلب منه ، فالتائب من هذه الجهة يعتبر ممتثلا لأمر شرعي ، فالقبول بهذا المعنى قطعي لأنه صار بمعنى الإجزاء ، ونحن نقطع بأن من أتى عملا مأمورا به بشروطه الشرعية كان عمله مقبولا بمعنى ارتفاع آثار النهي عنه ، ولكن بمعنى الظن في حصول الثواب على ذلك . ولعل هذا المعنى هو الذي نظر إليه الغزالي إذ قال في كتاب التوبة ( إنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة هي مقبولة إذ القلب خلق سليما في الأصل ، إذ كل مولود يولد على الفطرة وإنما تفوته السلامة بكدرة ترهقه من غيرة الذنوب ، وأن نور الندم يمحو عن القلب تلك الظلمة كما يمحو الماء والصابون عن الثواب الوسخ . فمن توهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن توهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول ، أو أن الثوب يغسل والوسخ لا يزول ، نعم قد يقول التائب باللسان تبت ولا يقلع ، فذلك كقول القصار بلسانه غسلت الثوب وهو لم يغسله فذلك لا ينظف الثوب ) . وهذا الكلام تقريب إقناعي . وفي كلامه نظر بين لأنا إنما نبحث عن طرح عقوبة ثابتة هل حدثان التوبة يمحوها .
والإشارة في المسند إليه في قوله : ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ للتنبيه على استحضارهم باعتبار الأوصاف المتقدمة البالغة غاية الخوف من الله تعالى والمبادرة إلى طلب مرضاته ، ليعرف أنهم أحرياء بمدلول المسند الوارد بعد الإشارة ، نظير قوله تعالى : ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ ( البقرة : 5 ) والمعنى : هؤلاء هم الذين جعلهم الله مستحقين قبول التوبة منهم ، وهو تأكيد لقوله : ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ إلى آخره .
وقوله : ﴿ وليست التوبة ﴾ إلخ تنبيه على نفي القبول عن نوع من التوبة وهي التي