تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة ، فأصبحوا في ضنك وبؤس ، واحتاجوا إلى قبيلة أو أمة أخرى وذلك من أسباب ابتزاز عزهم ، وامتلاك بلادهم ، وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم ، فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحق في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال والثروة العامة .

وهذه إشارة لا أحسب أن حكيما من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها . وقد أبعد جماعة جعلوا الإضافة لأدنى ملابسة ، لأن الأموال في يد الأولياء ، وجعلوا الخطاب للأولياء خاصة . وجماعة جعلوا الإضافة للمخاطبين لأن الأموال من نوع أموالهم ، وإن لم تكن أموالهم حقيقة ، وإليه مال الزمخشري . وجماعة جعلوا الإضافة لأن السفهاء من نوع المخاطبين فكأن أموالهم أموالهم وإليه مال فخر الدين . وقارب ابن العرب إذ قال : ( لأن الأموال مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد وتخرج من ملك إلى ملك ) وبما ذكرته من البيان كان لكلمته هذه شأن . وأبعد فريق آخرون فجعلوا الإضافة حقيقية أي لا تؤتوا يا أصحاب الأموال أموالكم لمن يضيعها من أولادكم ونسائكم ، وهذا أبعد الوجوه ، ولا إخال الحامل على هذا التقدير إلا الحيرة في وجه الجمع بين كون الممنوعين من الأموال السفهاء ، وبين إضافة تلك الأموال إلى ضمير المخاطبين ، وإنما وصفته بالبعد لأن قائله جعله هو المقصود من الآية ولو جعله وجها جائزا يقوم من لفظ الآية لكان له وجه وجيه بناء على ما تقرر في المقدمة التاسعة .

وأجرى على الأموال صفة تزيد إضافتها إلى المخاطبين وضوحا وهي قوله : ﴿ التي جعل الله لكم قياما ﴾ فجاء في الصفة بموصول إيماء إلى تعليل النهي ، وإيضاحا لمعنى الإضافة ، فإن ( قيما ) مصدر على وزن فعل بمعنى فعال : مثل عوذ بمعنى عياذ ، وهو من الواوي وقياسه قوم ، إلا أنه أعل بالياء شذوذا كما شذ جياد في جمع جواد وكما شذ طيال في لغة ضبة في جمع طويل ، قصدوا قلب الواو ألفا بعد الكسرة كما فعلوه في قيام ونحوه ، إلا أن ذلك في وزن فعال مطرد ، وفي غيره شاذ لكثرة فعال في المصادر ، وقلة فعل فيها ، وقيم من غير الغالب . كذا قرأه نافع ، وابن عامر : ( قيما ) بوزن فعل ، وقرأه الجمهور ( قياما ) ، والقيام ما به يتقوم المعاش وهو واوي أيضا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٣٥