وظاهر الخطاب للناس يعم الحر والعبد ، فللعبد أن يتزوج أربع نسوة على الصحيح ، وهو قول مالك ، ويعزى إلى أبي الدرداء ، والقاسم بن محمد ، وسالم ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، ومجاهد ، وذهب إليه داوود الظاهري . وقيل : لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وينسب إلى عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن سيرين ، والحسن . وليس هذا من مناسب التنصيف للعبيد ، لأن هذا من مقتضى الطبع الذي لا يختلف في الأحرار والعبيد . ومن ادعى إجماع الصحابة على أنه لا يتزوج أكثر من اثنتين فقد جازف القول .
وقوله : ﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ﴾ ، أي فواحدة لكل من يخاف عدم العدل . وإنما لم يقل فأحاد أو فموحد لأن وزن مفعل وفعال في العدد لا يأتي إلا بعد جمع ولم يجر جمع هنا . وقرأ الجمهور : فواحدة بالنصب ، وانتصب واحدة على أنه مفعول لمحذوف أي فانكحوا واحدة . وقرأه أبو جعفر بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي كفاية .
وخوف عدم العدل معناه عدم العدل بين الزوجات ، أي عدم التسوية ، وذلك في النفقة والكسوة والبشاشة والمعاشرة وترك الضر في كل ما يدخل تحت قدرة المكلف وطوقه دون ميل القلب .
وقد شرع الله تعدد النساء للقادر العادل لمصالح جمة : منها أن في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها ، ومنها أن ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هن أكثر من الرجال في كل أمة لأن الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة ، ولأن الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء ، ولأن النساء أطول أعمارا من الرجال غالبا ، بما فطرهن الله عليه ، ومنها أن الشريعة قد حرمت الزنا وضيقت في تحريمه لما يجر إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات ، فناسب أن توسع على الناس في تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالا للتعدد مجبولا عليه ، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلا لضرورة .