تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأظهر عندي أن ليس هذا تعليلا لمضمون قوله : ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ بل هو بيان للتساوي في الأخبار المتعلقة بضمائر المخاطبين أي أنتم في عنايتي بأعمالكم سواء ، وهو قضاء لحق ما لهم من الأعمال الصالحة المتساوين فيها ، ليكون تمهيدا لبساط تمييز المهاجرين بفضل الهجرة الآتي في قوله : ﴿ فالذين هاجروا ﴾ ، الآيات .

وقوله : ﴿ فالذين هاجروا ﴾ تفريع عن قوله : ﴿ لا أضيع عمل عامل ﴾ وهو من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بذلك الخاص ، واشتمل على بيان ما تفاضلوا فيه من العمل ، وهو الهجرة التي فاز بها المهاجرون .

والمهاجرة : هي ترك الموطن بقصد استيطان غيره ، والمفاعلة فيها للتقوية كأنه هجر قومه وهجروه لأنهم لم يحرصوا على بقائه ، وهذا أصل المهاجرة أن تكون لمنافرة ونحوها ، وهي تصدق بهجرة الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وبهجرة الذين هاجروا إلى المدينة .

وعطف قوله : ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ على ﴿ هاجروا ﴾ لتحقيق معنى المفاعلة في هاجر أي هاجروا مهاجرة لزهم إليها قومهم ، سواء كان الإخراج بصريح القول أم بالإلجاء ، من جهة سوء المعاملة ، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين ، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلهم ، لما لاقوه من أذى المشركين . ولا يوجد ما يدل على أن المشركين أخرجوا المسلمين ، وكيف واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى المدينة يدل على حرص المشركين على صده عن الخروج ، ويدل لذلك أيضا قول كعب :

في فتية من قريشش قال قائلهم

ببطن مكة لما أسلموا زولوا

أي قال قائل من المسلمين اخرجوا من مكة ، وعليه فكل ما ورد مما فيه أنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج ، ومنه قول ورقة ابن نوفل : ( يا ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له : ( أو مخرجي هم ؟ فقال : ما جاء نبيء بمثلل ما جئت

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٢٠٤