قوله : ﴿ ولا تحسبن ﴾ عطف على ﴿ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت ﴾ ( آل عمران : 168 ) ، فلما أمر الله نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء العنان لهم في ظنهم أن الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سدى ، فقيل لهم : إن الموت لا مفر منه على كل حال ، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلة أهليتهم ، وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة ، فقال : ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ وهو إبطال لما تلهف منه المنافقون على إضاعة قتلاهم .
والخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليما له ، وليعلم المسلمين ، ويجوز أن يكون جاريا على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معين .
والحسبان : الظن فهو نهي عن أن يظن أنهم أموات وبالأحرى يكون نهيا عن الجزم بأنهم أموات .
وقرأ الجمهور : الذين قتلوا بتخفيف التاء وقرأه ابن عامر بتشديد التاء أي قتلوا قتلا كثيرا .
وقوله : ﴿ بل أحياء ﴾ للإضراب عن قوله : ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا ﴾ فلذلك كان ما بعدها جملة غير مفرد ، لأنها أضربت عن حكم الجملة ولم تضرب عن مفرد من الجملة ، فالوجه في الجملة التي بعدها أن تكون اسمية من المبتدأ المحذوف والخبر الظاهر ، فالتقدير : بل هم أحياء ، ولذلك قرأه السبعة بالرفع ، وقرىء بالنصب على أن الجملة فعلية ، والمعنى : بل أحسبتم أحياء ، وأنكرها أبو علي الفارسي .
وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتا ظاهرا بقوله : ﴿ قتلوا ﴾ ، ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله : ﴿ بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴾ فعلمنا أنهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح ، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح ، غير مضمحلة ، بل هي حياة بمعنى تحقق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارة لأنفسهم ، ومسرتهم بإخوانهم ، ولذلك كان قوله : ﴿ عند ربهم ﴾ دليلا على أن حياتهم حياة خاصة بهم ، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم ، أعني حياة