تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بكر في قتال أهل الردة ، وتشاور الصحابة في أمر الخليفة بعد وفاة النبيء صلى الله عليه وسلم وجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بعده في ستة عينهم ، وجعل مراقبة الشورى لخمسين من الأنصار ، وكان عمر يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور ، ويتمثل لهم في كتابه بقول الشاعر ( لم أقف على اسمه ) :

خليلي ليس الرأي في صدر واحد

أشيرا علي بالذي تريان

هذا والشورى مما جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبة الصلاح وتطلب النجاح في المساعي ، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتشاور في شأنه إذ قال للملائكة : ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ( البقرة : 30 ) ، إذ قد غني الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنه عرض على الملائكة مراده ليكون التشاور سنة في البشر ضرورة أنه مقترن بتكوينه ، فإن مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه ، ولما كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين . ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى عليه السلام فيما حكى الله عنه بقوله : ﴿ فماذا تأمرون ﴾ ( الأعراف : 110 ) . واستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه السلام فيما حكى الله عنها بقوله : { قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنما يلهي الناس عنها حب الاستبداد ، وكراهية سماع ما يخالف الهوى ، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة ، ولذلك يهرع المستبد إلى الشورى عند المضائق . قال ابن عبد البر في بهجة المجالس : الشورى محمودة عند عامة العلماء ولا أعلم أحدا رضي الاستبداد إلا رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائدة ، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة ، وكلا الرجلين فاسق . ومثل أولهما قول عمر بن أبي ربيعة :

واستبدت مرة واحدة

إنما العاجز من لا يستبد

ومثل ثانيهما قول سعد بن ناشب :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٥٠