تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو تأويل الناس ، أو تأويل نظم الآية ، والذي أراه في التأويل أن القرآن كتاب دين وهدى ، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ ، ولكن أوائل أسباب الهدى ، فالأولية في الآية على بابها ، والبيت كذلك ، والمعنى أنه أول بيت عبادة حقة وضع لإعلان التوحيد ، بقرينة المقام ، وبقرينة قوله : ﴿ وضع للناس ﴾ المقتضى أنه من وضعع واضعع لمصلحة الناس ، لأنه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه الناس ، وبقرينة مجيء الحالين بعد ؛ وهما قوله : ﴿ مباركا وهدى للعالمين ﴾ . وهذا تأويل في معنى بيت ، وإذا كان أول بيتت عبادة حق ، كان أول معهد للهدى ، فكان كل هدى مقتبسا منه فلا محيص لكل قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله ، وذلك يوجب اتباع الملة المبنية على أسس ملة بانيه ، وهذا المفاد من تفريع قوله : ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ﴾ ( البقرة : 95 ) . وتأول الآية علي بن أبي طالب ، فروى عنه أن رجلا سأله : أهو أول بيت ؟ قال : ( لا ، قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا وهدى ) فجعل مباركا وهدى حالين من الضمير في ﴿ وضع ﴾ لا من اسمم الموصول ، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلا على معنى أنه أول بيت من بيوت الهدى كما قلنا ، وليس مراده أن قوله : ﴿ وضع ﴾ هو الخبر لتعين أن الخبر هو قوله : ﴿ للذي ببكة ﴾ بدليل دخول اللام عليه .

وعن مجاهد قالت اليهود : بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنها مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون : الكعبة ، فأنزل الله هذه الآية ، وهذا تأويل ﴿ أول ﴾ بأنه الأول من شيئين لا من جنس البيوت كلها .

وقيل : أراد بالأول الأشرف مجازا .

وعندي أنه يجوز أن يكون المراد من الناس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنصارى والمسلمين ، وكلهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام ، فأول معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنه أفضل مما سواه من بيوت عبادتهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٤