لقن الله رسوله الجواب عن قولهم : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . والجواب إبطال لقولهم ، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من الريب ، إذا سمعوا كلام المنافقين ، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم للمؤمنين . وفصلت الجملة جريا على حكاية المقاولة كما قررنا غير مرة . وهذا الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قدر من الله والتسليمم لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول ، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك الأسباب ، لأن قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومين لنا إلا بعد الوقوع ، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفا عن مصادفة قدر الله لمأمولنا ، فإن استفرغنا جهودنا وحرمنا المأمول ، علمنا أن قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا . فأما ترك الأسباب فليس من شأننا ، وهو مخالف لما أراد الله منا ، وإعراض عما أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدر . والمعنى : لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم التي اضطجعوا فيها يوم أحد أي مصارعهم فالمراد بقوله : ﴿ كتب ﴾ قدر ، ومعنى ﴿ برز ﴾ خرج إلى البراز وهو الأرض .
وقرأ الجمهور باء ( بيوتكم ) بالكسر . وقرأه أبو عمرو ، وورش عن نافع ، وحفص ، وأبو جعفر بالضم .
والمضاجع جمع مضجع بفتح الميم وفتح الجيم وهو محل الضجوع ، والضجوع : وضع الجنب بالأرض للراحة والنوم ، وفعله من باب منع ومصدره القياسي الضجع ، وأما الضجوع فغير قياسي ، ثم غلب إطلاق المضجع على مكان النوم قال تعالى : ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ( السجدة : 16 ) وفي حديث أم زرع : ( مضجعه كمسل شطبة ) . فحقيقة الضجوع هو وضع الجنب للنوم والراحة وأطلق هنا على مصارع القتلى على سبيل الاستعارة ، وحسنها أن الشهداء أحياء ، فهو استعارة أو مشاكلة تقديرية لأن قولهم ، ما قتلنا ههنا يتضمن معنى أن الشهداء كانوا يبقون في بيوتهم متمتعين بفروشهم .