تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاستفهام بها كثيرا ما يراد به الكناية عن التعجب أو التعجيب من شأن ما أضيفت إليه ﴿ أي ﴾ لأن الشيء إذا بلغ من الكمال والعظمة مبلغا قويا يتساءل عنه ويستفهم عن شأنه ، ومن هنا نشأ معنى دلالة ﴿ أي ﴾ على الكمال ، وإنما

تحقيقه أنه معنى كنائي كثر استعماله في كلامهم ، وإنما هي الاستفهامية ، و ﴿ أي ﴾ هذه تقع في المعنى وصفا لنكرة إما نعتا نحو : هو رجل أي رجل ، وإما مضافة إلى نكرة كما في هذه الآية ، فيجوز أن يتعلق قوله : ﴿ في أي صورة ﴾ بأفعال خلقك ، فسواك ، فعدلك ) فيكون الوقف على ﴿ في أي صورة ﴾ .

ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿ ركبك ﴾ فيكون الوقف على قوله ﴿ فعدلك ﴾ ويكون قوله ﴿ ما شاء ﴾ معترضا بين ﴿ في أي صورة ﴾ وبين ﴿ ركبك ﴾ .

والمعنى على الوجهين : في صورة أي صورة ، أي في صورة كاملة بديعة .

وجملة ﴿ ما شاء ركبك ﴾ بيان لجملة ﴿ عدلك ﴾ باعتبار كون جملة ﴿ عدلك ﴾ مفرعة عن جملة ﴿ فسواك ﴾ المفرغة عن جملة ﴿ خلقك ﴾ فبيانها بيان لهما .

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة ، أي خلقك فسواك فعدلك ملابسا صورة عجيبة فمحل ﴿ في أي صورة ﴾ محل الحال من كاف الخطاب وعامل الحال ﴿ عدلك ﴾ ، أو ﴿ ركبك ﴾ ، فجعلت الصورة العجيبة كالظرف للمصور بها للدلالة على تمكنها من موصوفها .

و ﴿ ما ﴾ يجوز أن تكون موصولة ما صدقها تركيب ، وهي في موضع نصب على المفعولية المطلقة و ﴿ شاء ﴾ صلة ﴿ ما ﴾ والعائد محذوف تقديره : شاءه . والمعنى : ركبك التركيب الذي شاءه قال تعالى : ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ ( آل عمران : 6 ) .

وعدل عن التصريح بمصدر ﴿ ركبك ﴾ إلى إبهامه ب ﴿ ما ﴾ الموصولة للدلالة على تقحيم الموصول بما في صلته من المشيئة المسندة إلى ضمير الرب الخالق المبدع الحكيم وناهيك بها .

ويجوز أن تكون جملة ﴿ شاء ﴾ صفة ل ﴿ صورة ﴾ ، والرابط محذوف و ﴿ ما ﴾ مزيدة للتأكيد ، والتقدير : في صورة عظيمة شاءها مشيئة معينة ، أي عن تدبير وتقدير .

﴿ كلا ﴾ ردع عما هو غرور بالله أو بالغرور مما تضمنه قوله : ﴿ ما غرك بربك ﴾ ( الانفطار : 6 ) من حصور ما يغر الإنسان بالشرك ومن إغراضه عن نعم الله تعالى بالكفر ، أو من كون حالة المشرك كحالة المغرور كما تقدم من الوجهين في الإنكار المستفاد من قوله : ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ .

والمعنى : إشراكك بخالقك باطل وهو غرور ، أو كالغرور .

ويكون قوله بعده : ﴿ بل تكذبون بالدين ﴾ إضرابا انتقاليا من غرض التوبيخ والزجر على الكفر إلى ذكر جرم فظيع آخر ، وهو التكذيب بالبعث والجزاء ويشمله التوبيخ بالزجر بسبب أنه معطوف على توبيخ وجزر لأن ﴿ بل ﴾ لا تخرج عن معنى العطف أي العطف في الغرض لا في نسبة الحكم . ولذلك يتبع المعطوف بها المفرد في إعراب المعطوف عليه فيقول النحويون : إنها تتبع في اللفظ لا في الحكم ، أي هو اتباع مناسبة في الغرض لا اتباع في النسبة .

ويجوز أن يكون ﴿ كلا ﴾ إبطالا لوجود ما يغر الإنسان أن يشرك بالله ، أي لا عذر للإنسان في الإشراك بالله إذ لا يوجد ما يغره به .

ويكون قوله : ﴿ بل تكذبون ﴾ إضرابا إبطاليا ، وما بعد ﴿ بل ﴾ بيانا لما جرأهم على الإشراك وأنه ليس غرورا إذ لا شبهة لهم في الإشراك حتى تكون الشبهة كالغرور ، ولكنهم أصروا على الإشراك لأنهم حسبوا أنفسهم في مأمن من تبعته فاختاروا الاستمرار عليه لأنه هوى أنفسهم ، ولم يعبأوا بأنه باطل صراح فهم يكذبون بالجزاء فذلك سبب تصميم جميعهم على الشرك مع تفاوت مداركهم التي لا يخفى على بعضها بطلان كون الحجارة آلهة ، ألا ترى أنهم ما كانوا يرون العذاب إلا عذاب الدنيا .

وعلى هذا الوجه يكون فيه إشارة إلى أن إنكار البعث هو جماع الإجرام ، ونظير هذا الوجه وقع في قوله تعالى : { فمالهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون في سورة الانشقاق ( 20 ، 22 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٩٨