تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلم النفوس بما قدمت وأخرت يحصل بعد حصول ما تضمنته جمل الشرط ب ﴿ إذا ﴾ إذ لا يلزم في ربط المشروط بشرطه أن يكون حصوله مقارنا لحصول شرطه لأن الشروط اللغوية أسباب وأمارات وليست عللا ، وقد تقدم بيان ذلك في سورة التكوير .

صيغة الماضي في قوله : ﴿ انفطرت ﴾ وما عطف عليه مستعملة في المستقبل تشبيها لتحقيق وقوع المستقبل بحصول الشيء في الماضي .

وإثبات العلم للناس بما قدموا وأخروا عند حصول تلك الشروط لعدم الاعتداد

بعلمهم بذلك الذي كان في الحياة الدنيا ، فنزل منزلة عدم العلم كما تقدم بيانه في قوله : { علمت نفس ما أحضرت في سورة التكوير .

ونفس } مراد به العموم على نحو ما تقدم في : { علمت نفس ما أحضرت في سورة التكوير .

وما قدمت وأخرت } : هو العمل الذي قدمته النفس ، أي عملته مقدما وهو ما عملته في أول العمر ، والعمل الذي أخرته ، أي عملته مؤخرا أي في آخر مدة الحياة ، أو المراد بالتقديم المبادرة بالعمل ، والمراد بالتأخير مقابله وهو ترك العمل .

والمقصود من هذين تعميم التوقيف على جميع ما عملته ومثله قوله تعالى : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر في سورة لا أقسم بيوم القيامة .

والعلم يتحقق بإدراك ما لم يكن معلوما من قبل وبتذكر ما نسي لطول المدة عليه كما تقدم في نظيره في سورة التكوير . وهذا وعيد بالحساب على جميع أعمال المشركين ، وهم المقصود بالسورة كما يشير إليه قوله بعد هذا : بل تكذبون بالدين } ( الانفطار : 9 ) ، ووعد للمتقين ، ومختلط لمن عملوا عملا صالحا وآخر سيئا .

( 6 8 )

استئناف ابتدائي لأن ما قبله بمنزلة المقدمة له لتهيئة السامع لتلقي هذه الموعظة لأن ما سبقه من التهويل والإنذار يهيىء النفس لقبول الموعظة إذ الموعظة تكون أشد تغلغلا في القلب حينئذ لما يشعر به السامع من انكسار نفسه ورقة قلبه فيزول عنه طغيان المكابرة والعناد فخطر في النفوس ترقب شيء بعد ذلك .

النداء للتنبيه تنبيها يشعر بالاهتمام بالكلام والاستدعاء لسماعه فليس النداء مستعملا في حقيقته إذ ليس مرادا به طلب إقبال ولا هو موجه لشخص معين أو جماعة معينة بل مثله يجعله المتكلم موجها لكل من يسمعه بقصد أو بغير قصد .

فالتعريف في ﴿ الإنسان ﴾ تعريف الجنس ، وعلى ذلك حمله جمهور

المفسرين ، أي ليس المراد إنسانا معينا ، وقرينة ذلك سياق الكلام مع قوله عقبه ﴿ بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين ﴾ ( الانفطار : 9 ، 10 ) الآية .

وهذا العموم مراد به الذين أنكروا البعث بدلالة وقوعه عقب الإنذار بحصول البعث ويدل على ذلك قوله بعده : ﴿ بل تكذبون بالدين ﴾ ( الانفطار : 9 ) فالمعنى : يا أيها الإنسان الذي أنكر البعث ولا يكون منكر البعث إلا مشركا لأن إنكار البعث والشرك متلازمان يومئذ فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة أو من الاستغراق العرفي لأن جمهور المخاطبين في ابتداء الدعوة الإسلامية هم المشركون .

و ﴿ ما ﴾ في قوله : ﴿ ما غرك بربك ﴾ استفهامية عن الشيء الذي غر المشرك فحمله على الإشراك بربه وعلى إنكار البعث .

وعن ابن عباس وعطاء : الإنسان هنا الوليد بن المغيرة ، وعن عكرمة المراد أبي بن خلف ، وعن ابن عباس أيضا : المراد أبو الأشد بن كلدة الجمحي ، وعن الكلبي ومقاتل : نزلت في الأسود بن شريق .

والاستفهام مجاز في الإنكار والتعجيب من الإشراك بالله ، أي لا موجب للشرك وإنكار البعث إلا أن يكون ذلك غرورا غره عنا كناية عن كون الشرك لا يخطر ببال العاقل إلا أن يغره به غار ، فيحتمل أن يكون الغرور موجودا ويحتمل أن لا يكون غرورا .

والغرور : الإطماع بما يتوهمه المغرور نفعا وهو ضر ، وفعله قد يسند إلى اسم ذات المطمع حقيقة مثل : ﴿ ولا يغرنكم بالله الغرور ﴾ ( لقمان : 33 ) أو مجازا نحو : ﴿ وغرتكم الحياة الدنيا ﴾ ( الجاثية : 35 ) فإن الحياة زمان الغرور ، وقد يسند إلى اسم معنى من المعاني حقيقة نحو : ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ ( آل عمران : 196 ) . وقول امرىء القيس :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٩٦