تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسبات : بضم السين وتخفيف الباء اسم مصدر بمعنى السبتت ، أي القطع ، أي جعلناه لكم قطعا لعمل الجسد بحيث لا بد للبدن منه ، وإلى هذا أشار ابن الأعرابي وابن قتيبة إذ جعلا المعنى : وجعلنا نومكن راحة ، فهو تفسير معنى .

وإنما أوثر لفظ ( سبات ) لما فيه من الإشعار بالقطع عن العمل ليقابله قوله بعده ﴿ وجعلنا النهار معاشا ﴾ ( النبأ : 11 ) كما سيأتي .

ويطلق السبات على النوم الخفيف ، وليس مرادا في هذه الآية إذ لا يستقيم أن يكون المعنى : وجعلنا نومكم نوما ، ولا نوما خفيفا .

وفي ( تفسير الفخر ) : طعن بعض الملاحدة في هذه الآية فقالوا : السبات هو النوم فالمعنى : وجعلنا نومكم نوما . وأخذ في تأويلها وجوها ثلاثة من أقوال المفسرين لا يستقيم منها إلا ما قاله ابن الأعرابي أن السبات القطع كما قال تعالى : ﴿ من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ﴾ ( القصص : 72 ) وهو المعنى الأصلي لتصاريف مادة سبت .

وأنكر ابن الأنباري وابن سيدة أن يكون فعل سبت بمعنى استراح ، أي ليس معنى اللفظ ، فمن فسر السبات بالراحة أراد تفسير حاصل المعنى .

وفي هذا امتنان على الناس بخلق نظام النوم فيهم لتحصل لهم راحة من أتعاب العمل الذي يكدحون له في نهارهم فالله تعالى جعل النوم حاصلا للإنسان بدون اختياره ، فالنوم يلجىء الإنسان إلى قطع العمل لتحصل راحة لمجموعه العصبي الذي ركنه في الدماغ ، فبتلك الراحة يستجد العصب قواه التي أوهنها عمل الحواس وحركات الأعضاء وأعمالها ، بحيث لو تعلقت رغبة أحد بالسهر لا بد له من أن يغلبه النوم وذلك لطف بالإنسان بحيث يحصل له ما به منفعة مداركه قسرا عليه لئلا يتهاون به ، ولذلك قيل : إن أقل الناس نوما أقصرهم عمرا وكذلك الحيوان .

من إتمام الاستدلال الذي قبله وما فيه من المنة لأن كون الليل لباسا حالة مهيئة لتكيف النوم ومعينة على هنائه والانتفاع به لأن الليل ظلمة عارضة في الجو من مزايلة ضوء الشمس عن جزء من كرة الأرض وبتلك الظلمة تحتجب المرئيات عن الأبصار فيعسر المشي والعمل والشغل وينحط النشاط فتتهيأ الأعصاب للخمول ثم يغشاها النوم فيحصل السبات بهذه المقدمات العجيبة ، فلا جرم كان

نظام الليل آية على انفراد الله تعالى بالخلق وبديع تقديره .

وكان دليلا على أن إعادة الأجسام بعد الفناء غير متعذرة عليه تعالى فلو تأمل المنكرون فيها لعلموا أن الله قادر على البعث فلما كذبوا خبر الرسول صلى الله عليه وسلم به ، وفي ذلك امتنان عليهم بهذا النظام الذي فيه اللطف بهم وراحة حياتهم لو قدروه حق قدره لشكروا وما أشركوا ، فكان تذكر حالة الليل سريع الخطور بالأذهان عند ذكر حالة النوم فكان ذكر النوم مناسبة للانتقال إلى الاستدلال بحالة الليل على حسب أفهام السامعين .

والمعني من جعل الليل لباسا يحوم حول وصف حالة خاصة بالليل عبر عنها باللباس .

فيجوز أن يكون اللباس محمولا على معنى الاسم وهو المشهور في إطلاقه ، أي ما يلبسه الإنسان من الثياب فيكون وصف الليل به على تقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ ، أي جعلنا الليل للإنسان كاللباس له ، فيجوز أن يكون وجه الشبه هو التغشية . وتحته ثلاثة معان :

أحدها : أن الليل ساتر للإنسان كما يستره اللباس ، فالإنسان في الليل يختلي بشؤونه التي لا يرتكبها في النهار لأنه لا يحب أن تراها الأبصار ، وفي ذلك تعريض بإبطال أصل من أصول الدهريين أن الليل رب الظلمة وهو معتقد المجوس وهم الذين يعتقدون أن المخلوقات كلها مصنوعة من أصلين ، أي إلاهين : إلاه النور وهو صانع الخير ، وإلاه الظلمة وهو صانع الشر . ويقال لهم : الثنوية لأنهم أثبتوا إلاهين إثنين ، وهم فرق مختلفة المذاهب في تقرير كيفية حدوث العالم عن ذينك الأصلين ، وأشهر هذه الفرق فرقة تسمى المانوية نسبة إلى رجل يقال له : ( ماني ) فارسي قبل الإسلام ، وفرقة تسمى مزدكية نسبة إلى رجل يقال له : ( مزدك ) فارسي قبل الإسلام . وقد أخذ أبو الطيب معنى هذا التعريض في قوله :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٨