تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن القواعد المستقراة من تصاريف الشريعة والشاهدة بها العقول السليمة تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، ونفي الضر الأكبر قبل نفي الضر الأصغر ، فلم يسلك النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسلك الاجتهاد المأمور به فيما لم يوح إليه فيه . وهو داخل تحت قوله تعالى لعموم الأمة : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ ( التغابن : 16 ) وهو القائل : ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع . فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقتطع له قطعة من نار ) ، وهو القائل : ( أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ) وهو حديث صحيح المعنى وإن كان في إسناده تردد . فلا قبل له بعلم المغيبات إلا أن يطلعه الله على شيء منها ، فلا يعلم أن هذا المشرك مضمر الكفر والعناد وأن الله يعلم أنه لا يؤمن ولا أن لذلك المؤمن في ذلك صفاء نفس وإشراق قلب لا يتهيآن له في كل وقت .

وبذلك يستبين أن ما أوحى الله به إلى نبيئه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة هو وحي له بأمر كان مغيبا عنه حين أقبل على دعوة المشرك وأرجأ إرشاد المؤمن . وليس في ظاهر حالهما ما يؤذن بباطنه وما أظهر الله فيها غيب علمه إلا لإظهار مزية مؤمن راسخ الإيمان وتسجيل كفر مشرك لا يرجى منه الإيمان ، مع ما في ذلك من تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بما علمه الله من حسن أدبه مع المؤمنين ورفع شأنهم أمام المشركين . فمناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن بحضرة المشرك الذي يستصغر أمثال ابن أم مكتوم ، فما وقع في خلال هذا العتاب من ذكر حال المؤمن والكافر إنما هو إدماج لأن في الحادثة فرصة من التنويه بسمو منزلة المؤمن لانطواء قلبه على أشعة تؤهله لأن يستنير بها ويفيضها على غيره جمعا بين المعاتبة والتعليم ، على سنن هدي القرآن في المناسبات .

( 11 16 ) ﴿ ﴾

.

إبطال وقد تقدم ذكر ( كلا ) في سورة مريم ( 79 82 ) ، وتقدم قريبا في سورة النبأ ( 4 ، 5 ) ، وهو هنا إبطال لما جرى في الكلام السابق ولو بالمفهوم كما في قوله : ﴿ وما يدريك لعله يزكى ﴾ ( عبس : 3 ) . ولو بالتعريض أيضا كما في قوله : ﴿ عبس وتولى ﴾ ( عبس : 1 ) .

وعلى التفسير الثاني المتقدم ينصرف الإبطال إلى ﴿ عبس وتولى ﴾ خاصة .

ويجوز أن يكون تأكيدا لقوله : ﴿ وما عليك ألا يزكى ﴾ ( عبس : 7 ) على التفسيرين ، أي لا تظن أنك مسؤول عن مكابرته وعناده فقد بلغت ما أمرت بتبليغه .

.

استئناف بعد حرف الإبطال ، وهو استئناف بياني لأن ما تقدم من العتاب ثم ما عقبه من الإبطال يثير في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم الحيرة في كيف يكون العمل في دعوة صناديد قريش إذا لم يتفرغ لهم لئلا ينفروا عن التدبر في القرآن ، أو يثير

في نفسه مخافة أن يكون قصر في شيء من واجب التبليغ .

وضمير ﴿ إنها ﴾ عائد إلى الدعوة التي تضمنها قوله : ﴿ فأنت له تصدى ﴾ ( عبس : 6 ) .

ويجوز أن يكون المعنى : أن هذه الموعظة تذكرة لك وتنبيه لما غفلت عنه وليست ملاما وإنما يعاتب الحبيب حبيبه .

ويجوز عندي أن يكون ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ استئنافا ابتدائيا موجها إلى من كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه قبيل نزول السورة فإنه كان يعرض القرآن على الوليد بن المغيرة ومن معه ، وكانوا لا يستجيبون إلى ما دعاهم ولا يصدقون بالبعث ، فتكون ( كلا ) إبطالا لما نعتوا به القرآن من أنه أساطير الأولين أو نحو ذلك .

فيكون ضمير ﴿ إنها تذكرة ﴾ عائدا إلى الآيات التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في ذلك المجلس ثم أعيد عليها الضمير بالتذكير للتنبيه على أن المراد آيات القرآن .

ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى عقبه : ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) الآيات حيث ساق لهم أدلة إثبات البعث .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٥١