وقرأ الجمهور : ﴿ فتنفعه ﴾ بالرفع عطفا على ( يذكر ) . وقرأه عاصم بالنصب في جواب : ﴿ لعله يزكى ﴾ .
( 5 ، 6 )
تقدم الكلام على ﴿ أما ﴾ في سورة النازعات أنها بمعنى : مهما يكن شيء ، فقوله : ﴿ أما من استغنى ﴾ تفسيره مهما يكن الذي استغنى فأنت له تصدى ، أي مهما يكن شيء فالذي استغنى تتصدى له ، والمقصود : أنت تحرص على التصدي له ، فجعل مضمون الجواب وهو التصدي له معلقا على وجود من استغنى وملازما له ملازمة التعليقق الشرطي على طريقة المبالغة .
والاستغناء : عد الشخص نفسه غنيا في أمر يدل عليه السياق قول ، أو فعل أو علم ، فالسين والتاء للحسبان ، أي حسب نفسه غنيا ، وأكثر ما يستعمل الاستغناء في التكبر والاعتزاز بالقوة .
فالمراد ب ﴿ من استغنى ﴾ هنا : من عد نفسه غنيا عن هديك بأن أعرض عن قبوله لأنه أجاب قول النبي صلى الله عليه وسلم له : ( هل ترى بما أقول بأسا ، بقوله : لا والدماء . . . ) كناية عن أنه لا بأس به يريد ولكني غير محتاج إليه .
وليس المراد ب ﴿ من استغنى ﴾ من استغنى بالمال إذ ليس المقام في إيثار صاحب مال على فقير .
وهذا الذي تصدى النبي صلى الله عليه وسلم لدعوته وعرض القرآن عليه هو على أشهر الأقوال المروية عن سلف المفسرين الوليد بن المغيرة المخزومي كما تقدم .
والإتيان بضمير المخاطب مظهرا قبل المسند الفعلي دون استتاره في الفعل يجوز أن يكون للتقوي كأنه قيل : تتصدى له تصديا ، فمناط العتاب هو التصدي القوي .
ويجوز أن يكون مفيدا للاختصاص ، أي فأنت لا غيرك تتصدى له ، أي ذلك التصدي لا يليق بك . وهذا قريب من قولهم : مثلك لا يبخل ، أي لو تصدى له غيرك لكان هونا ، فأما أنت فلا يتصدى مثلك لمثله فمناط العتاب هو أنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في جليل قدره .
وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد الصاد على إدغام إحدى التاءين في الصاد . والباقون بالفتح وتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين .
والتصدي : التعرض ، أطلق هنا على الإقبال الشديد مجازا .
جملة معترضة بين جملة ﴿ أما من استغنى ﴾ ( عبس : 5 ) وجملة : ﴿ وأما من جاءك يسعى ﴾ ( عبس : 8 ) ، والواو اعتراضية .
و ﴿ ما ﴾ نافية و ﴿ عليك ﴾ خبر مقدم . والمبتدأ ﴿ ألا يزكى ﴾ ، والمعنى : عدم تزكيه ليس محمولا عليك ، أي لست مؤاخذا بعدم اهتدائه حتى تزيد من الحرص على ترغيبه في الإيمان ما لم يكلفك الله به . وهذا رفق من الله برسوله صلى الله عليه وسلم
( 8 10 )
عطف على جملة ﴿ أما من استغنى ﴾ ( عبس : 5 ) اقتضى ذكره قصد المقابلة مع المعطوف عليها مقابلة الضدين إتماما للتقسيم . والمراد : بمن جاء يسعى : هو ابن أم
مكتوم ، فحصل بمضمون هذه الجملة تأكيد لمضمون ﴿ عبس وتولى أن جاءه الأعمى ﴾ ( عبس : 1 2 ) .
والسعي : شدة المشي ، كني به عن الحرص على اللقاء فهو مقابل لحال من استغنى لأن استغناءه استغناء الممتعض من التصدي له .
وجملة ﴿ وهو يخشى ﴾ في موضع الحال ، وحذف مفعول ﴿ يخشى ﴾ لظهوره لأن الخشية في لسان الشرع تنصرف إلى خشية الله تعالى .
والمعنى : أنه جاء طلبا للتزكية لأن يخشى الله من التقصير في الاسترشاد . واختير الفعل المضارع لإفادته التجدد .
والقول في ﴿ فأنت عنه تلهى ﴾ كالقول في : ﴿ فأنت له تصدى ﴾ ( عبس : 6 ) .
والعبرة من هذه الآيات أن الله تعالى زاد نبيئه صلى الله عليه وسلم علما عظيما من الحكمة النبوية ، ورفع درجة علمه إلى أسمى ما تبلغ إليه عقول الحكماء رعاة الأمم ، فنبهه إلى أن في معظم الأحوال أو جميعها نواحي صلاح ونفع قد تخفى لقلة اطرادها ، ولا ينبغي ترك استقرائها عند الاشتغال بغيرها ولو ظنه الأهم ، وأن ليس الإصلاح بسلوك طريقة واحدة للتدبير بأخذ قواعد كلية منضبطة تشبه قواعد العلوم يطبقها في الحوادث ويغضي عما يعارضها بأن يسرع إلى ترجيح القوي على الضعيف مما فيه صفة الصلاح ، بل شأن مقوم الأخلاق أن يكون بمثابة الطبيب بالنسبة إلى الطبائع والأمزجة فلا يجعل لجميع الأمزجة علاجا واحدا بل الأمر يختلف باختلاف الناس . وهذا غور عميق يخاض إليه من ساحل القاعدة الأصولية في باب الاجتهاد القائلة : إن المجتهد إذا لاح له دليل : ( يبحث عن المعارض ) والقاعدة القائلة : ( إن لله تعالى حكما قبل الاجتهاد نصب عليه أمارة وكلف المجتهد بإصابته فإن أصابه فله أجران وإن أخطأه فله أجر واحد ) .