وضمير ﴿ هم فيه مختلفون ﴾ يجري فيه الوجهان المتقدمان في قوله : ﴿ يتساءلون ﴾ . واختلافهم في النبأ اختلافهم فيما يصفونه به ، كقول بعضهم : ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ ( الأنعام : 25 ) وقول بعضهم : هذا كلام مجنون ، وقول بعضهم : هذا كذب ، وبعضهم : هذا سحر ، وهم أيضا مختلفون في مراتب إنكاره . فمنهم من يقطع بإنكار البعث مثل الذين حكى الله عنهم بقوله : { وقال الذين كفروا هل
ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة } ( سبأ : 7 8 ) ، ومنهم من يشكون فيه كالذين حكى الله عنهم بقوله : ﴿ قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ﴾ ( الجاثية : 32 ) على أحد التفسيرين .
وجيء بالجملة الإسمية في صلة الموصول دون أن يقول : الذي يختلفون فيه أو نحو ذلك ، لتفيد الجملة الإسمية أن الاختلاف في أمر هذا النبأ متمكن منهم ودائم فيهم لدلالة الجملة الإسمية على الدوام والثبات .
وتقديم ﴿ عنه ﴾ على ﴿ معرضون ﴾ ( ص : 68 ) للاهتمام بالمجرور وللإشعار بأن الاختلاف ما كان من حقه أن يتعلق به ، مع ما في التقديم من الرعاية على الفاصلة .
﴿ كلا ﴾ حرف ردع وإبطال لشيء يسبقه غالبا في الكلام يقتضي ردع المنسوب إليه وإبطال ما نسب إليه ، وهو هنا ردع للذين يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون على ما يحتمله التساؤل من المعاني المتقدمة ، وإبطال لما تضمنته جملة ﴿ يتساءلون ﴾ ( النبأ : 1 ) من تساؤل معلوم للسامعين .
فموقع الجملة موقع الجواب عن السؤال ولذلك فصلت ولم تعطف لأن ذلك طريقة السؤال والجواب .
والكلام وإن كان إخبارا عنهم فإنهم المقصودون به فالردع موجه إليهم بهذا الاعتبار .
والمعنى : إبطال الاختلاف في ذلك النبأ وإنكار التساؤل عنه ذلك التساؤل الذي أرادوا به الاستهزاء وإنكار الوقوع ، وذلك يثبت وقوع ما جاء به النبأ وأنه حق لأن إبطال إنكار وقوعه يفضي إلى إثبات وقوعه .
والغالب في استعمال ﴿ كلا ﴾ أن تعقب بكلام يبين ما أجملته من الردع والإبطال فلذلك عقبت هنا بقوله : ﴿ سيعلمون ﴾ وهو زيادة في إبطال كلامهم بتحقيق أنهم سيوقنون بوقوعه ويعاقبون على إنكاره ، فهما علمان يحصلان لهم بعد الموت : علم بحق وقوعع البعث ، وعلم في العقاب عليه .
ولذلك حذف مفعول ﴿ سيعلمون ﴾ ليعم المعلومين فإنهم عند الموت يرون ما سيصيرون إليه فقد جاء في الحديث الصحيح ( إن الكافر يرى مقعده فيقال له هذا مقعدك حتى تبعث ) ، وفي الحديث : ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ) وذلك من مشاهد روح المقبور وهي من المكاشفات الروحية وفسر بها قوله تعالى : ﴿ لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ﴾ ( التكاثر : 6 ، 7 ) .
فتضمن هذا الإبطال وما بعده إعلاما بأن يوم البعث واقع ، وتضمن وعيدا وقد وقع تأكيده بحرف الاستقبال الذي شأنه إفادة تقريب المستقبل .
ومن محاسن هذا الأسلوب في الوعيد أن فيه إيهاما بأنهم سيعلمون جواب سؤالهم الذي أرادوا به الإحالة والتهكم ، وصوروه في صورة طلب الجواب فهذا الجواب من باب قول الناس : الجواب ما ترى لا ما تسمع .
ارتقاء في الوعيد والتهديد فإن ﴿ ثم ﴾ لما عطفت الجملة فهي للترتيب الرتبي ، وهو أن مدلول الجملة التي بعدها أرقى رتبة في الغرض من مضمون الجملة التي قبلها ، ولما كانت الجملة التي بعد ﴿ ثم ﴾ مثل الجملة التي قبل ﴿ ثم ﴾ تعين أن يكون مضمون الجملة التي بعد ﴿ ثم ﴾ أرقى درجة من مضمون نظيرها . ومعنى ارتقاء الرتبة أن مضمون ما بعد ﴿ ثم ﴾ أقوى من مضمون الجملة التي قبل ﴿ ثم ﴾ ، وهذا المضمون هو الوعيد ، فلما استفيد تحقيق وقوع المتوعد به بما أفاده التوكيد اللفظي إذ الجملة التي بعد ﴿ ثم ﴾ أكدت الجملة التي قبلها تعين انصراف معنى ارتقاء رتبة معنى الجملة الثانية هو أن المتوعد به الثاني أعظم مما يحسبون .