وورود فعل ( أخذه ) بصيغة المضي مع أن عذاب الآخرة مستقبل ليوم الجزاء مراعى فيه أنه لما مات ابتدأ يذوق العذاب حين يرى منزلته التي سيؤول إليها يوم الجزاء كما ورد في الحديث .
وتقديم ﴿ الآخرة ﴾ على ﴿ الأولى ﴾ في الذكر لأن أمر الآخرة أعظم .
وجاء في آخر القصة بحوصلة وفذلكة لما تقدم فقال : ﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ فهو في معنى البيان لمضمون جملة ﴿ هل أتاك حديث موسى ﴾ ( النازعات : 15 ) الآيات .
والإشارة بقوله : ﴿ في ذلك ﴾ إلى ﴿ حديث موسى ﴾ ( النازعات : 15 ) .
والعبرة : الحالة التي ينتقل الذهن من معرفتها إلى معرفة عاقبتها وعاقبة أمثالها ، وهي مشتقة من العبر ، وهو الانتقال من ضفة واد أو نهر إلى ضفته الأخرى .
والمراد بالعبرة هنا الموعظة .
وتنوين ( عبرة ) للتعظيم لأن في هذه القصة مواعظ كثيرة من جهات هي مثلات للأعمال وعواقبها ، ومراقبة الله وخشيته ، وما يترتب على ذلك وعلى ضده من خير وشر في الدنيا والآخرة .
وجعل ذلك عبرة لمن يخشى ، أي من تخالط نفسه خشية الله لأن الذين يخشون الله هم أهل المعرفة الذين يفهمون دلالة الأشياء على لوازمها وخفاياها ، قال تعالى : ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ( فاطر : 28 ) وقال : ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ ( العنكبوت : 43 ) . والخشية تقدمت قريبا في قوله : ﴿ وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ ( النازعات : 19 ) .
وفي هذا تعريض بالمشركين بأنهم ليسوا بأهل للانتفاع بمثل هذا كما لم ينتفع بمثله فرعون وقومه .
وفي القصة كلها تعريض بسادة قريش من أهل الكفر مثل أبي جهل بتنظيرهم بفرعون وتنظير الدهماء بالقوم الذين حشرهم فرعون ونادى فيهم بالكفر ، وقد علم المسلمون مضرب هذا المثل فكان أبو جهل يوصف عند المسلمين بفرعون هذه الأمة .
وتأكيد الخبر ب ﴿ إن ﴾ ولام الابتداء لتنزيل السامعين الذين سيقت لهم القصة منزلة من ينكر ما فيها من المواعظ لعدم جريهم على الاعتبار والاتعاظ بما فيها من المواعظ .
( 27 29 )
انتقال من الاعتبار بأمثالهم من الأمم الذي هو تخويف وتهديد على تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إبطال شبهتهم على نفي البعث وهي قوله : ﴿ أينا لمردودون في الحافرة ﴾ ( النازعات : 10 ) وما أعقبوه به من التهكم المبني على توهم إحالة البعث . وإذ قد فرضوا استحالة عود الحياة إلى الأجسام البالية إذ مثلوها بأجساد أنفسهم إذ قالوا : ﴿ أينا لمردودون ﴾ ( النازعات : 10 ) جاء إبطال شبهتهم بقياس خلق أجسادهم على خلق السماوات والأرض فقيل لهم : ﴿ أأنتم أشد خلقا أم السماء ﴾ ، فلذلك قيل لهم هنا أأنتم بضميرهم ولم يقل : آالإنسان أشد خلقا ، وما هم إلا من الإنسان ، فالخطاب موجه إلى المشركين الذين عبر عنهم آنفا بضمائر الغيبة من قوله : ﴿ يقولون ﴾ إلى قوله : ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ ( النازعات : 10 14 ) ، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب .
فالجملة مستأنفة لقصد الجواب عن شبهتهم لأن حكاية شبهتهم ب ﴿ يقولون أينا ﴾ إلى آخره ، تقتضي ترقب جواب عن ذلك القول كما تقدم الإيماء إليه عند قوله : ﴿ يقولون أينا لمردودون ﴾ ( النازعات : 10 ) .
والاستفهام تقريري ، والمقصود من التقرير إلجاؤهم إلى الإقرار بأن خلق السماء أعظم من خلقهم ، أي من خلق نوعهم وهو نوع الإنسان وهم يعلمون أن الله هو خالق السماء فلا جرم أن الذي قدر على خلق السماء قادر على خلق الإنسان مرة ثانية ، فينتج ذلك أن إعادة خلق الأجساد بعد فنائها مقدورة لله تعالى لأنه قدر على ما هو أعظم من ذلك قال تعالى : ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ ( غافر : 57 ) ، ذلك أن نظرهم العقلي غيمت عليه العادة فجعلوا ما لم يألفوه محالا ، ولم يلتفتوا إلى إمكان ما هو أعظم مما أحالوه بالضرورة .