تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني لمهد من ثنائي فقاصد

به لابن عم الصدقق شمس بنن مالك

قال أبو الفتح بن جني في كتاب ( إعراب الحماسة ) : ( يجوز أن يكون ضم الشين على وجه تغيير الأعلام نحو معد يكرب . وتهلك وموهب وغير ذلك مما غير عن حال نظائره لأجل العلمية الحادثة فيه اه .

وكما قالوا : أبو سلمى بضم السين كنية والد زهير بن أبي سلمى لأنهم نقلوا اسم سلمى بفتح السين من أسماء النساء إلى جعله اسم رجل يكنى به لأنهم لا يكنون بأسماء النساء غالبا .

ولذلك لم يسكن ابن كثير الهاء من قوله تعالى : ﴿ ذات لهب ﴾ وقراءة ابن كثير قراءة أهل مكة فلعل أهل مكة اشتهرت بينهم كنية أبي لهب بسكون الهاء تحقيقا لكثرة دورانها على الألسنة في زمانه .

وجملة : ﴿ وتب ﴾ إما معطوفة على جملة : ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ عطف الدعاء على الدعاء إذا كان إسناد التبات إلى اليدين لأنهما آلة الأذى بالرمي بالحجارة كما في خبر طارق المحاربي ، فأعيد الدعاء على جميعه إغلاظا له في الشتم والتقريع ، وتفيد بذلك تأكيدا لجملة : ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ لأنها بمعناها ، وإنما اختلفتا بالكلية والجزئية ، وذلك الاختلاف هو مقتضي عطفها ، وإلا لكان التوكيد غير معطوف لأن التوكيد اللفظي لا يعطف بالواو كما تقدم في سورة الكافرون .

وإما أن تكون في موضع الحال ، والواو واو الحال ولا تكون دعاء إنما هي تحقيق لحصول ما دعي عليه به كقول النابغة :

جزى ربه عني عدي بن حاتم

جزاء الكلاب العاويات وقد فعل

فيكون الكلام قبله مستعملا في الذم والشماتة به أو لطلب الازدياد ، ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله بن مسعود ( وقد تب ) فيتمحض الكلام قبله لمعنى الذم والتحقير دون معنى طلب حصول التبات له ، وذلك كقول عبد الله بن رواحة حين خروجه إلى غزوة مؤتة التي استشهد فيها :

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي

أرشدك الله من غاز وقد رشدا

يعني ويقولوا : وقد رشدا ، فيصير قوله : أرشدك الله من غاز ، لمجرد الثناء والغبطة بما حصله من الشهادة .

استئناف ابتدائي للانتقال من إنشاء الشتم والتوبيخ إلى الإعلام بأنه آيس من النجاة من هذا التبات ، ولا يغنيه ماله ، ولا كسبه ، أي لا يغني عنه ذلك في دفع شيء عنه في الآخرة .

والتعبير بالماضي في قوله : ﴿ ما أغنى ﴾ لتحقيق وقوع عدم الإغناء .

و ﴿ ما ﴾ نافية ، ويجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والإنكار .

والمال : الممتلكات المتمولة ، وغلب عند العرب إطلاقه على الإبل ، ومن كلام عمر : ( لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ) الخ في اتقاء دعوة المظلوم ، من ( الموطأ ) ، وقال زهير :

صحيحات مالل طالعات بمخرم

وأهل المدينة وخيبر والبحرين يغلب عندهم على النخيل ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ في سورة النساء وفي مواضع .

﴿ وما كسب ﴾ موصول وصلته والعائد محذوف جوازا لأنه ضمير نصب ، والتقدير : وما كسبه ، أي ما جمعه . والمراد به : ما يملكه من غير النعم من نقود وسلاح وربع وعروض وطعام ، ويجوز أن يراد بماله : جميع ماله ، ويكون عطف ﴿ وما كسب ﴾ من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به ، أي ما أغنى عنه ماله التالد وهو ما ورثه عن أبيه عبد المطلب وما كسبه هو بنفسه وهو طريفه .

وروي عن ابن مسعود أن أبا لهب قال : ( إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي نفسي يوم القيامة بمالي وولدي ) فأنزل الله : ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ وقال ابن عباس : ﴿ ما كسب ﴾ هو ولده فإن الولد من كسب أبيه .

بيان لجملة : ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ أي لا يغني عنه شيء من عذاب جهنم . ونزل هذا القرآن في حياة أبي لهب . وقد مات بعد ذلك كافرا ، فكانت هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم وكانت من دلائل النبوءة .

والسين للتحقيق مثل قوله تعالى : ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ ( يوسف : 98 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٨٤