تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفعل ﴿ كان ﴾ هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي . وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى : ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ﴾ ( البقرة : 37 ) .

ومقتضى الظاهر أن يقال : إنه كان غفارا ، كما في آية : ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ﴾ ( نوح : 10 ) فيجرى الوصف على ما يناسب قوله : ﴿ واستغفره ﴾ ، فعدل عن ذلك تلطفا مع النبي صلى الله عليه وسلم بأن أمره بالاستغفار ليس مقتضيا إثبات ذنب له لما علمت آنفا من أن وصف ( تواب ) جاء من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه

للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى ، فإنه لا يسأل عما يفعل بعباده ، لولا تفضله بما بين لهم من مراده ، ولأن وصف ( تواب ) أشد ملاءمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة ﴿ أفواجا ﴾ لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف من الحروف الموصوفة بالشدة ، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرخوة .

وروي في ( الصحيح ) عن عائشة قالت : ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة : ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلا يقول : سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي يتأول القرآن ) أي يتأول الأمر في قوله : ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره ﴾ على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى اقتراب أجله صلى الله عليه وسلم

| 1 ( سورة المسد ) 1

سميت هذه السورة في أكثر المصاحف ( سورة تبت ) وكذلك عنونها الترمذي في ( جامعه ) وفي أكثر كتب التفسير ، تسمية لها بأول كلمة فيها .

وسميت في بعض المصاحف وبعض التفاسير ( سورة المسد ) . واقتصر في ( الإتقان ) على هذين .

وسماها جمع من المفسرين ( سورة أبي لهب ) على تقدير : سورة ذكر أبي لهب . وعنونها أبو حيان في ( تفسيره ) ( سورة اللهب ) ولم أره لغيره .

وعنونها ابن العربي في ( أحكام القرآن ) ( سورة ما كان من أبي لهب ) وهو عنوان وليس باسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت السادسة من السور نزولا ، نزلت بعد سورة الفاتحة وقبل سورة التكوير .

وعدد آيها خمس .

روي أن نزولها كان في السنة الرابعة من البعثة . وسبب نزولها على ما في ( الصحيحين ) عن ابن عباس قال : ( صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا فنادى : ( يا صباحاه ) ( كلمة ينادى بها للإنذار من عدو يصبح القوم ) فاجتمعت إليه قريش فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد أرأيتم لو أني أخبرتكم أن العدو ممسيكم أو مصبحكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت : { تبت يدا

أبي لهب } ( المسد : 1 ) . ووقع في ( الصحيحين ) من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت : ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين وقومك منهم المخلصين ﴾ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا ) إلى آخر الحديث المتقدم .

ومعلوم أن آية : ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ من سورة الشعراء ، وهي متأخرة النزول عن سورة تبت ، وتأويل ذلك أن آية تشبه آية سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب لما رواه أبو أسامة يبلغ ابن عباس لما نزلت : ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين وقومك منهم المخلصين ﴾ ( ولم يقل من سورة الشعراء ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا ) فتعين أن آية سورة الشعراء تشبه صدر الآية التي نزلت قبل نزول سورة أبي لهب .

أغراضها

زجر أبي لهب على قوله : ( تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ ووعيده على ذلك ، ووعيد امرأته على انتصارها لزوجها ، وبغضها النبي صلى الله عليه وسلم

| 2 ( ﴿ تبت يدآ أبى لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * فى جيدها حبل من مسد ﴾ ) 2

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٨٢