ولذلك فالواو في قوله هنا : ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ عاطفة جملة على جملة لأجل ما اقتضته جملة : ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ من المناسبة .
ويجوز أن تكون جملة ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ تأكيدا لفظيا لنظيرتها
السابقة بتمامها بما فيها من واو العطف في نظيرتها السابقة وتكون جملة : ﴿ ولا أنا عابد ما عبدتم ﴾ معترضة بين التأكيد والمؤكد .
والمقصود من التأكيد تحقيق تكذيبهم في عرضهم أنهم يعبدون رب محمد صلى الله عليه وسلم
تذييل وفذلكة للكلام السابق بما فيه من التأكيدات ، وقد أرسل هذا الكلام إرسال المثل وهو أجمع وأوجز من قول قيس بن الخطيم :
نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف
ووقع في ( تفسير الفخر ) هنا : ( جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر فيه ثم يعمل بموجبه ) ا ه .
وهذا كلام غير محرر لأن التمثل به لا ينافي العمل بموجبه وما التمثل به إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به . وهذا المقدار من التفسير تركه الفخر في المسودة .
وقدم في كلتا الجملتين المسند على المسند إليه ليفيد قصر المسند إليه على المسند ، أي دينكم مقصور على الكون بأنه لكم لا يتجاوزكم إلى الكون لي ، وديني مقصور على الكون بأنه لا يتجاوزني إلى كونه لكم ، أي لأنهم محقق عدم إسلامهم . فالقصر قصر إفراد ، واللام في الموضعين لشبه الملك وهو الاختصاص أو الاستحقاق .
والدين : العقيدة والملة ، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري أعماله على مقتضاها ، فلذلك سمي دينا لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء .
وقرأ الجمهور ﴿ دين ﴾ بدون ياء بعد النون على أن ياء المتكلم محذوفة للتخفيف مع بقاء الكسرة على النون . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف . وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف بدون ياء اعتمادا على حفظ الحفاظ لأن الذي يثبت الياء مثل يعقوب يشبع الكسرة إذ ليست الياء إلا مدة للكسرة فعدم رسمها في الخط لا يقتضي إسقاطها في اللفظ .
وقرأ نافع والبزي عن ابن كثير وهشام عن ابن عامر وحفص عن عاصم بفتح الياء من قوله : ﴿ ولي ﴾ . وقرأه قنبل عن ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف بسكون الياء .
| 1 ( سورة النصر ) 1
سميت هذه السورة في كلام السلف ( سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) . روى البخاري : ( أن عائشة قالت : لما نزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) الحديث .
وسميت في المصاحف وفي معظم التفاسير ( سورة النصر ) لذكر نصر الله فيها ، فسميت بالنصر المعهود عهدا ذكريا .
وهي معنونة في ( جامع الترمذي ) ( سورة الفتح ) لوقوع هذا اللفظ فيها فيكون هذا الاسم مشتركا بينها وبين سورة : { إنا فتحنا لك فتحا مبينا .
وعن ابن مسعود أنها تسمى سورة التوديع في الإتقان } لما فيها من الإيماء إلى وداعه صلى الله عليه وسلم ا ه . يعني من الإشارة إلى اقتراب لحاقه بالرفيق الأعلى كما سيأتي عن عائشة .
وهي مدنية بالاتفاق . واختلف في وقت نزولها فقيل : نزلت منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر ( أي في سنة سبع ) ، ويؤيده ما رواه الطبري والطبراني عن ابن عباس : ( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح قال رسول الله : الله أكبر جاء نصر الله والفتح وجاء نصر أهل اليمن فقال رجل : يا رسول الله وما أهل اليمن ؟ قال : قوم رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمانن والفقه يمانن والحكمة يمانية اه ، ومجيء أهل اليمن أول مرة هو مجيء وفد الأشعريين عام غزوة خيبر .
ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بالفتح في الآية هو فتح مكة ، وعليه فالفتح
مستقبل ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبل أيضا وهو الأليق باستعمال ( إذا ) ويحمل قول النبي : جاء نصر الله والفتح على أنه استعمال الماضي في معنى المضارع لتحقق وقوعه أو لأن النصر في خيبر كان بادرة لفتح مكة .