تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقوله تعالى : ﴿ هو الأبتر ﴾ اقتضت صيغة القصر إثبات صفة الأبتر لشانىء النبي صلى الله عليه وسلم ونفيها عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأبتر بمعنى الذي لا خير فيه .

ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به لمحاكاة قول القائل : ( محمد أبتر ) إبطالا لقوله ذلك ، وكان عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لا عقب له تعين أن يكون هذا الإبطال ضربا من الأسلوب الحكيم وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أن الأحق غير ما عناه من كلامه كقوله تعالى : ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ ( البقرة : 189 ) . وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظ الخير ، أي ليس ينقص للمرء أنه لا ولد له لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله . وهب أنه لم يولد له البتة ، وإنما اصطلح الناس على اعتباره نقصا لرغبتهم في الولد بناء على ما كانت عليه أحوالهم الاجتماعية من الاعتماد على الجهود البدنية فهم يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم عند الكبر وذلك أمر قد يعرض ، وقد لا يعرض أو لمحبة ذكر المرء بعد موته وذلك أمر وهمي ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أغناه الله بالقناعة ، وأعزه بالتأييد ، وقد جعل الله له لسان صدق لم يجعل مثله لأحد من خلقه ، فتمحض أن كماله الذاتي بما علمه الله فيه إذ جعل فيه رسالته ، وأن كماله العرضي بأصحابه وأمته إذ جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم .

وفي الآية محسن الاستخدام التقديري لأن سوق الإبطال بطريق القصر في قوله : ﴿ هو الأبتر ﴾ نفي وصف الأبتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن بمعنى غير المعنى الذي عناه شانئه فهو استخدام ينشأ من صيغة القصر بناء على أن ليس الاستخدام منحصرا في استعمال الضمير في غير معنى معاده ، على ما حققه أستاذنا العلامة سالم أبو حاجب وجعله وجها في واو العطف من قوله تعالى : ﴿ وجاء ربك والملك ﴾ ( الفجر : 22 ) لأن العطف بمعنى إعادة العامل فكأنه قال : وجاء الملك وهو مجيء مغاير لمعنى مجيء الله تعالى ، قال : وقد سبقنا الخفاجي إلى ذلك إذ أجراه في حرف الاستثناء في ( طراز المجالس ) في قول محمد الصالحي من شعراء الشام :

وحديث حبي ليس بال

منسوخ إلا في الدفاتر

والشانىء : المبغض وهو فاعل من الشناءة وهي البغض ويقال فيه : الشنآن ، وهو يشمل كل مبغض له من أهل الكفر فكلهم بتر من الخير ما دام فيه شنآن للنبيء صلى الله عليه وسلم فأما من أسلموا منهم فقد انقلب بعضهم محبة له واعتزازا به .

| 1 ( سوة الكافرون ) 1

عنونت هذه السورة في المصاحف التي بأيدينا قديمها وحديثها وفي معظم التفاسير ( سورة الكافرون ) بإضافة ( سورة ) إلى ﴿ الكافرون ﴾ وبثبوت واو الرفع في ﴿ الكافرون ﴾ على حكاية لفظ القرآن الواقع في أولها .

ووقع في ( الكشاف ) و ( تفسير ابن عطية ) و ( حرز الأماني ) ( سورة الكافرين ) بياء الخفض في لفظ ( الكافرين ) بإضافة ( سورة ) إليه أن المراد سورة ذكر الكافرين ، أو نداء الكافرين . وعنونها البخاري في كتاب التفسير من ( صحيحه ) سورة : ﴿ قل يأيها الكافرون ﴾ ( الكافرون : 1 ) .

قال في ( الكشاف ) و ( الإتقان ) : وتسمى هي وسورة { قل هو الله أحد المقشقشتين لأنهما تقشقشان من الشرك أي تبرئان منه يقال : قشقش : إذا أزال المرض .

وتسمى أيضا سورة الإخلاص فيكون هذان الاسمان مشتركين بينها وبين سورة قل هو الله أحد .

وقد ذكر في سورة براءة أن سورة براءة تسمى المقشقشة لأنها تقشقش ، أي تبرىء من النفاق فيكون هذا مشتركا بين السور الثلاث فيحتاج إلى التمييز .

وقال سعد الله المعروف بسعدي عن جمال القراء } أنها تسمى ( سورة العبادة ) وفي ( بصائر ذوي التمييز ) للفيروزابادي تسمى ( سورة الدين ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٧٣