تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فوصفهم ب ( المصلين ) إذن تهكم ، والمراد عدمه ، أي الذين لا يصلون ، أي ليسوا بمسلمين كقوله تعالى : ﴿ قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ﴾ ( المدثر : 43 ، 44 ) وقرينة التهكم وصفهم ب ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ .

وعلى القول بأنها مدنية أو أن هذه الآية وما بعدها منها مدنية يكون المراد ﴿ بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ المنافقين . وروى هذا ابن وهب وأشهب عن مالك ، فتكون الفاء في قوله : ﴿ فويل للمصلين ﴾ من هذه الجملة لربطها بما قبلها لأن الله أراد ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض .

وجيء في هذه الصفة بصيغة الجمع لأن المراد ب ﴿ الذي يكذب بالدين ﴾ : جنس المكذبين على أظهر الأقوال . فإن كان المراد به معينا على بعض تلك الأقوال المتقدمة كانت صيغة الجمع تذييلا يشمله وغيره فإنه واحد من المتصفين بصفة ترك الصلاة ، وصفة الرياء ، وصفة منع الماعون .

وقوله : ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ صفة ﴿ للمصلين ﴾ مقيدة لحكم الموصوف فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا للمصلي على الإطلاق .

فيكون قوله ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ ترشيحا للتهكم الواقع في إطلاق وصف المصلين عليهم .

وعدي ﴿ ساهون ﴾ بحرف ﴿ عن ﴾ لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة .

وقوله : ﴿ الذين عن صلاتهم ساهون ﴾ يجوز أن يكون معناه الذين لا يؤدون الصلاة إلا رياء فإذا خلوا تركوا الصلاة .

ويجوز أن يكون معناه : الذين يصلون دون نية وإخلاص فهم في حالة الصلاة بمنزلة الساهي عما يفعل فيكون إطلاق ﴿ ساهون ﴾ تهكما كما قال تعالى : { يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا في المنافقين في سورة النساء .

و ( يراءون ) يقصدون أن يرى الناس أنهم على حال حسن وهم بخلافه ليتحدث الناس لهم بمحاسن ما هم بموصوفين بها ، ولذلك كثر أن تعطف السمعة على الرياء فيقال : رياء وسمعة .

وهذا الفعل وارد في الكلام على صيغة المفاعلة ولم يسمع منه فعل مجرد لأنه يلازمه تكرير الإراءة .

والماعون } : يطلق على الإعانة بالمال ، فالمعنى : يمنعون فضلهم أو يمنعون الصدقة على الفقراء . فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإسلام بغير تعيين قبل مشروعية الزكاة .

وقال سعيد بن المسيب وابن شهاب : الماعون : المال بلسان قريش .

وروى أشهب عن مالك : الماعون : الزكاة ، ويشهد له قول الراعي :

قوم على الإسلام لما يمنعوا

ماعونهم ويضيعوا التهليلا

لأنه أراد بالتهليل الصلاة فجمع بينها وبين الزكاة .

ويطلق على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشد وحفر ونحو ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته وإعطائه . وعن عائشة : الماعون الماء والنار والملح . وهذا ذم لهم بمنتهى البخل . وهو الشح بما لا يزرئهم .

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : ﴿ هم يراءون ﴾ لتقوية الحكم ، أي تأكيده .

فأما على القول بأن السورة مدنية أو بأن هذه الآيات الثلاث مدنية يكون المراد بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون والصلاتت بعدها : المنافقين ،

فإطلاق المصلين عليهم بمعنى المتظاهرين بأنهم يصلون وهو من إطلاق الفعل على صورته كقوله تعالى : ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ﴾ ( التوبة : 64 ) أي يظهرون أنهم يحذرون تنزيل سورة .

﴿ ويمنعون الماعون ﴾ أي الصدقة أو الزكاة ، قال تعالى في المنافقين : ﴿ ويقبضون أيديهم ﴾ ( التوبة : 67 ) فلما عرفوا بهذه الخلال كان مفاد فاء التفريع أن أولئك المتظاهرين بالصلاة وهم تاركوها في خاصتهم هم من جملة المكذبين بيوم الدين ويدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين .

وحكى هبة الله بن سلامة في كتاب ( الناسخ والمنسوخ ) : أن هذه الآيات الثلاث نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول ، أي فإطلاق صيغة الجمع عليه مراد بها واحد على حد قوله تعالى : ﴿ كذبت قوم نوح المرسلين ﴾ ( الشعراء : 105 ) أي الرسول إليهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٦٩