والحطمة : صفة بوزن فعلة ، مثل ما تقدم في الهمزة ، أي لينبذن في شيء يحطمه ، أي يكسره ويدقه .
والظاهر أن اللام لتعريف العهد لأنه اعتبر الوصف علما بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم ، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن . وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار .
فجملة : ﴿ وما أدراك ما الحطمة ﴾ في موضع الحال من قوله : ﴿ الحطمة ﴾ والرابط إعادة لفظ الحطمة ، وذلك إظهار في مقام الإضمار للتهويل كقوله : ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة ﴾ ( الحاقة : 1 3 ) وما فيها من الاستفهام ، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة ، وقد تقدم ﴿ ما أدراك ﴾ غير مرة منها عند قوله : { وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار .
وجملة : نار الله الموقدة } جواب عن جملة ﴿ وما أدراك ما الحطمة ﴾ مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي ، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني ، والتقدير هي ، أي الحطمة نار الله ، فحذف المبتدأ من الجملة جريا على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { صم بكم عمي في سورة البقرة .
وإضافة نار } إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة .
ووصف ﴿ نار ﴾ ب ( موقدة ) ، وهو اسم مفعول من : أوقد النار ، إذا أشعلها وألهبها . والتوقد : ابتداء التهاب النار فإذا صارت جمرا فقد خف لهبها ، أو زال ، فوصف ﴿ نار ﴾ ب ( موقدة ) يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها . وهذا كما وصفت نار الأخدود بذات الوقود ( بفتح الواو ) في سورة البروج ، أي النار التي يجدد اتقادها بوقود وهو الحطب الذي يلقى في النار لتتقد فليس الوصف بالموقدة هنا تأكيدا .
ووصفت ﴿ نار الله ﴾ وصفا ثانيا ب ﴿ التي تطلع على الأفئدة ﴾ .
والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع ، أي الإتيان السريع بقوة واستيلاء ، فالمعنى : التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد .
وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى : ﴿ فاطلع فرآه في سواء الجحيم ﴾ ( الصافات : 55 ) فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده ، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مقدره .
( 8 ، 9 )
هذه جملة يجوز أن تكون صفة ثالثة ل ﴿ نار الله ﴾ ( الهمزة : 6 ) بدون عاطف ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا وتأكيدها ب ( إن ) لتهويل الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة .
وموصدة : اسم مفعول من أوصد الباب ، إذا أغلقه غلقا مطبقا . ويقال : آاصد بهمزتين إحداهما أصلية والأخرى همزة التعدية ، ويقال : أصد الباب فعلا ثلاثيا ، ولا يقال : وصد بالواو بمعنى أغلق .
وقرأ الجمهور : ﴿ موصدة ﴾ بواو بعد الميم على تخفيف الهمزة ، وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم المضمومة .
ومعنى إيصادها عليهم : ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس ، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد .
وقوله : ﴿ في عمد ممددة ﴾ حال : إما من ضمير ﴿ عليهم ﴾ أي في حال كونهم في عمد ، أي موثوقين في عمد كما يوثق المسجون المغلظ عليه من رجليه في فلقة ذاتت ثقب يدخل في رجله أو في عنقه كالقرام . وإما حال من ضمير ﴿ إنها ﴾ ،
أي أن النار الموقدة في عمد ، أي متوسطة عمدا كما تكون نار الشواء إذ توضع عمد وتجعل النار تحتها تمثيلا لأهلها بالشواء .
و ﴿ عمد ﴾ قرأه الجمهور بفتحتين على أنه اسم جمع عمود مثل : أديم وأدم . وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ( عمد ) بضمتين وهو جمع عمود ، والعمود : خشبة غليظة مستطيلة .