فأما الإيمان فهو حقيقة مقول على جزئياتها بالتواطىء . وأما الصالحات فعمومها مقول عليه بالتشكك ، فيشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر بمقدار ما عملوه من الصالحات وفي ذلك مراتب كثيرة .
وقد دل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أن يكونوا في خسر على أن سبب كون بقية الإنسان في خسر هو عدم الإيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم الصفة . وعلم من الموصول أن الإيمان والعمل الصالح هما سبب انتفاء إحاطة الخسر بالإنسان .
وعطف على عمل الصالحات التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإن كان ذلك من عمل الصالحات ، عطف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يغفل عنه ، يظن أن العمل الصالح هو ما أثره عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشاد المسلم غيره ودعوته إلى الحق ، فالتواصي بالحق يشمل تعليم
حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر .
والتواصي بالصبر عطف على التواصي بالحق عطف الخاص على العام أيضا وإن كان خصوصه خصوصا من وجه لأن الصبر تحمل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق .
وحقيقة الصبر أنه : منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله ( إن كان صعب الحصول فيترك محاولة تحصيله لخوف ضر ينشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور ) أو لرغبة في حصول نفع منه ( كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك ) .
ومن الصبر الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمر بالمعروف من امتعاض بعض المأمورين به أو من أذاهم بالقول كمن يقول لآمره : هلا نظرت في أمر نفسك ، أو نحو ذلك .
وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشم السهر في اللهو والمعاصي ، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها ، فليس من الصبر لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها .
وقل اشتمل قوله تعالى : ﴿ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ على إقامة المصالح الدينية كلها ، فالعقائد الإسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر .
والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة ، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها ، كما قال عمرو بن العاص :
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه
ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
فيوشك أن تلفى له الدهر سبة
إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه . وفي الحديث : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) . وعن علي بن أبي طالب : ( الصبر مطية لا تكبو ) .
وقد مضى الكلام على الصبر مشبعا عند قوله تعالى : { استعينوا بالصبر والصلاة في سورة البقرة .
وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائما على شيوع التآمر بهما ديدنا لهم ، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحدا لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقا بالملازمة إذ قل أن يقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع ، وقد قال الله تعالى توبيخا لبني إسرائيل : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } ( البقرة : 44 ) ، وقد تقدم هذا المعنى عند قوله تعالى : { ولا تحاضون على طعام المسكين في سورة الفجر .
| 1 ( سورة الهمزة ) 1
سميت هذه السورة في المصاحف ومعظم التفاسير سورة الهمزة بلام التعريف ، وعنونها في صحيح البخاري } وبعض التفاسير : ( سورة ويل لكل همزة ) . وذكر الفيروز آبادي في ( بصائر ذوي التمييز ) أنها تسمى ( سورة الحطمة ) لوقوع هذه الكلمة فيها .