تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومتعلق ﴿ أذن ﴾ محذوف دل عليه ﴿ لا يتكلمون ﴾ ، أي من أذن له في الكلام .

ومعنى أذن الرحمن : أن من يريد التكلم لا يستطيعه أو تعتريه رهبة فلا يقدم على الكلام حتى يستأذن الله فأذن له ، وإنما يستأذنه إذا ألهمه الله للاستئذان فإن الإلهام إذن عند أهل المكاشفات في العامل الأخروي فإذا ألقى الله في النفس أن يستأذن استأذن الله فأذن له كما ورد في حديث الشفاعة من إحجام الأنبياء عن الاستشفاع للناس حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم قال في الحديث : ( فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عز وجل ثم يفتح الله علي من محامد وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقول : ارفع رأسك واشفع تشفع ) .

وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ ( الأنبياء : 28 ) ، أي لمن علموا

أن الله ارتضى قبول الشفاعة فيه وهم يعلمون ذلك بإلهام هو من قبيل الوحي لأن الإلهام في ذلك العالم لا يعتريه الخطأ .

وجملة ﴿ وقال صوابا ﴾ يجوز أن تكون في موضع الحال من اسم الموصول ، أي وقد قال المأذون له في الكلام ﴿ صوابا ﴾ ، أي بإذن الله له في الكلام إذا علم أنه سيتكلم بما يرضي الله .

ويجوز أن تكون عطفا على جملة ﴿ أذن له الرحمن ﴾ ، أي وإلا من قال صوابا فعلم أن من لا يقول الصواب لا يؤذن له .

وفعل ﴿ وقال صوابا ﴾ مستعمل في معنى المضارع ، أي ويقول صوابا ، فعبر عنه بالماضي لإفادة تحقق ذلك ، أي في علم الله .

وإطلاق صفة ﴿ الرحمن ﴾ على مقام الجلالة إيماء إلى أن إذن الله لمن يتكلم في الكلام أثر من آثار رحمته لأنه أذن فيما يحصل به نفع لأهل المحشر من شفاعة أو استغفار .

استئناف ابتدائي كالفذلكة لما تقدم من وعيد ووعد ، إنذار وتبشير ، سيق مساق التنويه ب ﴿ يوم الفصل ﴾ ( النبأ : 17 ) الذي ابتدىء الكلام عليه من قوله : ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتا ﴾ ( النبأ : 17 ) . والمقصود التنويه بعظيم ما يقع فيه من الجزاء بالثواب والعقاب وهو نتيجة أعمال الناس من يوم وجود الإنسان في الأرض .

فوصف اليوم بالحق يجوز أن يراد به الثابت الواقع كما في قوله تعالى : ﴿ وإن الدين لواقع ﴾ ( الذاريات : 6 ) قوله آنفا : ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتا ﴾ ، فيكون ﴿ الحق ﴾ بمعنى الثابت مثل ما في قوله تعالى : ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ ( الأنبياء : 97 ) .

ويجوز أن يراد بالحق ما قابل الباطل ، أي العدل وفصل القضاء فيكون وصف اليوم به على وجه المجاز العقلي إذ الحق يقع فيه واليوم ظرف له قال تعالى : ﴿ يوم القيامة يفصل بينكم ﴾ ( الممتحنة : 3 ) .

ويجوز أن يكون الحق بمعنى الحقيق بمسمى اليوم لأنه شاع إطلاق اسم اليوم على اليوم الذي يكون فيه نصر قبيلة على أخرى مثل : يومم حليمة ، ويوم بعاث . والمعنى : ذلك اليوم الذي يحق له أن يقال : يوم ، وليس كأيام انتصار الناس بعضهم على بعض في الدنيا فيكون كقوله تعالى : ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ ( التغابن : 9 ) ، فهو يوم انتقام الله من أعدائه الذين كفروا نعمته وأشركوا به عبيده في الإلاهية ويكون وصف الحق بمثل المعنى الذي في قوله تعالى : ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ﴾ ( البقرة : 121 ) ، أي التلاوة الحقيقة باسم التلاوة وهي التلاوة بفهم معاني المتلو وأغراضه .

والإشارة بقوله : ﴿ ذلك ﴾ إلى اليوم المتقدم في قوله : ﴿ إن يوم الفصل كان ميقاتا ﴾ ( النبأ : 17 ) . ومفاد اسم الإشارة في مثل هذا المقام التنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيوصف به بسبب ما سبق من حكاية شؤونه كما في قوله تعالى : ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ ( البقرة : 5 ) بعد قوله : ﴿ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله : وبالآخرة هم يوقنون ﴾ ( البقرة : 2 4 ) ، فلأجل جميع ما وصف به ﴿ يوم الفصل ﴾ كان حقيقا بأن يوصف بأنه ﴿ اليوم الحق ﴾ وما تفرع عن ذلك من قوله : ﴿ فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا ﴾ .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٣