ومما لم يذكره الفخر من وجه الإشكال : أن المشاهدة دلت على أن الذين كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن ما ، وأن نصب المضارع بعد ﴿ حتى ﴾ ينادي على أنه منصوب ب ( أن ) مضمرة بعد ﴿ حتى ﴾ فيقتضي أن إتيان البينة مستقبل وذلك لا يستقيم فإن البينة فسرت ب ﴿ رسول من الله ﴾ وإتيان الرسول وقع قبل
نزول هذه الآيات بسنين وهم مستمرون على ما هم عليه : هؤلاء على كفرهم ، وهؤلاء على شركهم .
وإذ قد تقرر وجه الإشكال وكان مظنونا أنه ملحوظ للمفسرين إجمالا أو تفصيلا فقد تعين أن هذا الكلام ليس واردا على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه ، فوجب صرفه عن ظاهره ، إما بصرف تركيب الخبر عن ظاهر الإخبار وهو إفادة المخاطب النسبة الخبرية التي تضمنها التركيب ، بأن يصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب . وإما بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجاز أو كناية .
فمن المفسرين من سلك طريقة صرف الخبر عن ظاهره . ومنهم من أبقوا الخبر على ظاهر استعماله وسلكوا طريقة صرف بعض كلماته عن ظاهر معانيها وهؤلاء منهم من تأول لفظ ﴿ منفكين ﴾ ومنهم من تأول معنى ﴿ حتى ﴾ ومنهم من تأول ﴿ رسول ﴾ ، وبعضهم جوز في ﴿ البينة ﴾ وجهين .
وقد تعددت أقوال المفسرين فبلغت بضعة عشر قولا ذكر الآلوسي أكثرها وذكر القرطبي معظمها غير معزو ، وتداخل بعض ما ذكره الآلوسي وزاد أحدهما ما لم يذكره الآخر .
ومراجع تأويل الآية تؤول إلى خمسة :
الأول : تأويل الجملة بأسرها بأن يؤول الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجيب ، وإلى هذا ذهب الفراء ونفطويه والزمخشري .
الثاني : تأويل معنى ﴿ منفكين ﴾ بمعنى الخروج عن إمهال الله إياهم ومصيرهم إلى مؤاخذتهم ، وهو لابن عطية .
الثالث : تأويل متعلق ﴿ منفكين ﴾ بأنه عن الكفر وهو لعبد الجبار ، أو عن الاتفاق على الكفر وهو للفخر وأبي حيان . أو منفكين عن الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق قبل بعثته وهو لابن كيسان عبد الرحمن الملقب بالأصم ، أو منفكين عن الحياة ، أي هالكين ، وعزي إلى بعض اللغويين .
الرابع : تأويل ﴿ حتى ﴾ أنها بمعنى ( إن ) الاتصالية . والتقدير : وإن جاءتهم البينة .
الخامس : تأويل ﴿ رسول ﴾ بأنه رسول من الملائكة يتلو عليهم صحفا من عند الله فهو في معنى قوله تعالى : ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ﴾ ( النساء : 153 ) وعزاه الفخر إلى أبي مسلم وهو يقتضي صرف الخبر إلى التهكم .
هذا والمراد ب ﴿ الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ أنهم كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما في قوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ ( الحشر : 11 ) .
وأنت لا يعوزك إرجاع أقوال المفسرين إلى هذه المعاقد فلا نحتاج إلى التطويل بذكرها فدونك فراجعها إن شئت ، فبنا أن نهتم بتفسير الآية على الوجه البين .
إن هذه الآيات وردت مورد إقامة الحجة على الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب وعلى المشركين بأنهم متنصلون من الحق متعللون للإصرار على الكفر عنادا ، فلنسلك بالخبر مسلك مورد الحجة لا مسلك إفادة النسبة الخبرية فتعين علينا أن نصرف التركيب عن استعمال ظاهره إلى استعمال مجازي على طريقة المجاز المرسل المركب من قبيل استعمال الخبر في الإنشاء والاستفهامم في التوبيخ ونحو ذلك الذي قال فيه التفتزاني في ( المطول ) : إن بيان أنه من أي أنواع المجاز هو مما لم يحم أحد حوله . والذي تصدى السيد الشريف لبيانه بما لا يبقي فيه شبهة .
فهذا الكلام مسوق مساق نقل الأقوال المستغربة المضطربة الدالة على عدم ثبات آراء أصحابها ، فهو من الحكاية لما كانوا يعدون به فهو حكاية بالمعنى كأنه قيل : كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه حتى تأتينا البينة ، وهذا تعريض بالتوبيخ بأسلوب الإخبار المستعمل في إنشاء التعجيب أو الشكاية من صلفف المخبر عنه ، وهو استعمال عزيز بديع وقريب منه قوله تعالى : ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ﴾ ( التوبة : 64 ) إذ عبر بصيغة يحذر وهم إنما تظاهروا بالحذر ولم يكونوا حاذرين حقا ولذلك قال الله تعالى : ﴿ قل استهزئوا ﴾ .