تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتعريف في القدر } تعريف الجنس . ولم يقل : في ليلة قدر ، بالتنكير لأنه قصد جعل هذا المركب بمنزلة العلم لتلك الليلة كالعلم بالغلبة ، لأن تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإضافة أوغل في جعل ذلك المركب لقبا لاجتماع تعريفين فيه .

وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان قال تعالى : ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ﴾ ( البقرة : 185 ) . ولا شك أن المسلمين كانوا يعلمون ذلك إذ كان نزول هذه السورة قبل نزول سورة

البقرة بسنين إن كانت السورة مكية أو بمدة أقل من ذلك إن كانت السورة مدنية ، فليلة القدر المرادة هنا كانت في رمضان وتأيد ذلك بالأخبار الصحيحة من كونها من ليالي رمضان في كل سنة .

وأكثر الروايات أن الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كانت ليلة سبع عشرة من رمضان . وسيأتي في تفسير الآيات عقب هذه الكلام في هل ليلة ذات عدد متماثل في جميع الأعوام أو تختلف في السنين ؟ وفي هل تقع في واحدة من جميع ليالي رمضان أو لا تخرج عن العشر الأواخر منه ؟ وهل هي مخصوصة بليلة وتر كما كانت أول مرة أو لا تختص بذلك ؟

والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره ، تنبيها على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتا شريفا مباركا لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه فضل الأوقات والأمكنة ، فاختيار فضلل الأوقات لابتداء إنزاله ينبىء عن علو قدره عند الله تعالى كقوله : ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ ( الواقعة : 79 ) على الوجهين في المراد من المطهرين .

تنويه بطريق الإبهام المراد به أن إدراك كنهها ليس بالسهل لما ينطوي عليه من الفضائل الجمة .

وكلمة ( ما أدراك ما كذا ) كلمة تقال في تفخيم الشيء وتعظيمه ، والمعنى : أي شيء يعرفك ما هي ليلة القدر ، أي يعسر على شيء أن يعرفك مقدارها ، وقد تقدمت غير مرة منها ، قوله : { وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار قريبا . والواو واو الحال .

وأعيد اسم ليلة القدر } الذي سبق قريبا في قوله : ﴿ في ليلة القدر ﴾ ( القدر : 1 ) على خلافف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر الإضمار ، فقصد الاهتمام بتعيينها ، فحصل تعظيم ليلة القدر صريحا ، وحصلت كناية عن تعظيم ما أنزل فيها وأن الله اختار إنزاله فيها ليتطابق الشرفان .

بيان أول لشيء من الإبهام الذي في قوله : ﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ ( القدر : 2 ) مثل البيان في قوله : ﴿ وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام ﴾ ( البلد : 12 ، 14 ) الآية . فلذلك فصلت الجملة لأنها استئناف بياني ، أو لأنها كعطف البيان .

وتفضيلها بالخير على ألف شهر . إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها ، لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حر أو برد ، أو مطر ، ولا بطولها أو بقصرها ، فإن تلك الأحوال غير معتد بها عند الله تعالى ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفرادا وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين . وقد قال في فضل الناس : ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ ( الحجرات : 13 ) فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس ففضلها بما أعده الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله : ( واحد كألف ) وعليه جاء قوله تعالى : ﴿ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ ( البقرة : 96 ) وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء . وفي ( الموطإ ) : ( قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ اه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٢٣