وتثبيت الرسول على ما جاءه من الحق والصلاة والتقرب إلى الله .
وأن لا يعبأ بقوة أعدائه لأن قوة الله تقهرهم .
| 2 ( ﴿ اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الاكرم * الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم * كلا إن الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى * أرءيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرءيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب ﴾ ) 2
هذا أول ما أوحي به من القرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم لما ثبت عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مما سيأتي قريبا .
وافتتاح السورة بكلمة ﴿ اقرأ ﴾ إيذان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون قارئا ، أي تاليا كتابا بعد أن لم يكن قد تلا كتابا قال تعالى : ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ﴾ ( العنكبوت : 48 ) ، أي من قبل نزول القرآن ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين قال له اقرأ : ( ما أنا بقارىء ) .
وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن .
وقوله تعالى : ﴿ اقرأ ﴾ أمر بالقراءة ، والقراءة نطق بكلام معين مكتوبب أو محفوظ على ظهر قلب .
وتقدم في قوله تعالى : ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ في سورة النحل .
والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال ، فالمطلوب بقوله : ﴿ اقرأ ﴾ أن يفعل القراءة في الحال أو المستقبل القريب من الحال ، أي أن يقول ما سيملى عليه ، والقرينة على أنه أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ فتطلب منه قراءته ، ولا سلمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها ، فهو كما يقول المعلم للتلميذ : اكتب ، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه .
وفي حديث ( الصحيحين ) عن عائشة رضي الله عنها قولها فيه : ( حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال : فقلت : ما أنا بقارىء فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ إلى ﴿ ما لم يعلم ﴾ .
فهذا الحديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها قال : ( فقلت : ما أنا بقارىء ) . وجميع ما ذكرته فيه مما روته عنه لا محالة وقد قالت فيه : ( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ) أي فرجع بالآيات التي أمليت عليه ، أي رجع متلبسا بها ، أي بوعيها .
وهو يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى ما أوحي إليه . وقرأه حينئذ ويزيد ذلك إيضاحا قولها في الحديث : ( فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ) ، أي اسمع القول الذي أوحي إليه وهذا ينبىء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قيل له بعد الفطة الثالثة : ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ الآيات الخمس قد قرأها ساعتئذ كما أمره الله ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها وعلى هذا الوجه يكون قول الملك له في المرات الثلاث ﴿ اقرأ ﴾ إعادة للفظ المنزل من الله إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل .
ولم يذكر لفعل ﴿ اقرأ ﴾ مفعول ، إما لأنه نزل منزلة اللازم وأن المقصود أوجد القراءة ، وإما لظهور المقروء من المقام ، وتقديره : اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن .
وقوله ﴿ باسم ربك ﴾ فيه وجوه :
أولها : أن يكون افتتاح كلام بعد جملة ﴿ اقرأ ﴾ وهو أول المقروء ، أي قل : باسم الله ، فتكون الباء للاستعانة فيجوز تعلقه بمحذوف تقديره : ابتدىء ويجوز أن يتعلق ب ﴿ اقرأ ﴾ الثاني فيكون تقديمه على معموله للاهتمام بشأن اسم الله . ومعنى الاستعانة باسم الله ذكر اسمه عند هذه القراءة ، وإقحام كلمة ( اسم ) لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته كما تقدم في الكلام على البسملة ، وهذا الوجه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ﴿ باسم الله ﴾ حين تلقى هذه الجملة .