تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الحساب مجمل هنا يبينه قوله تعالى : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ( الأنعام : 160 ) وقوله : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة البقرة .

وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعين ، فذلك استعمال آخر كما في قوله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر : 10 ) ولكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فلا تعارض بين الآيتين .

ويجوز أن يكون ﴿ حسابا ﴾ اسم مصدر أحسبه ، إذا أعطاه ما كفاه ، فهو بمعنى إحسابا ، فإن الكفاية يطلق عليها حسب بسكون السين فإنه إذا أعطاه ما كفاه قال : حسبي .

.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر برفع ﴿ رب ﴾ ورفع ﴿ الرحمن ﴾ ، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بخفضهما ، وقرأه حمزة والكسائي وخلف بخفض ﴿ رب ﴾ ورفع ﴿ الرحمن ﴾ ، فأما قراءة رفع الاسمين ف ﴿ رب ﴾ خبر مبتدأ محذوف هو ضمير يعود على قوله : ﴿ من ربك ﴾ ( النبأ : 36 ) على طريقة حذف المسند إليه حذفا سماه السكاكي حذفا لاتباع الاستعمال الوارد على تركه ، أي في المقام الذي يجري استعمال البلغاء فيه على حذف المسند إليه ، وذلك إذا جرى في الكلام وصف ونحوه لموصوف ثم ورد ما يصلح أن يكون خبرا عنه أو أن يكون نعتا له فيختار المتكلم أن يجعله خبرا لا نعتا ، فيقدر ضمير المنعوت ويأتي بخبر عنه وهو ما يسمى بالنعت المقطوع .

والمعنى : إن ربك هو ربهم لأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ولكن المشركين عبدوا غيره جهلا وكفرا لنعمته . و ﴿ الرحمن ﴾ خبر ثان .

وأما قراءة جر الاسمين فهي جارية على أن ﴿ رب السماوات ﴾ نعت

ل ﴿ ربك ﴾ من قوله : ﴿ جزاء من ربك ﴾ ( النبأ : 36 ) و ﴿ الرحمن ﴾ نعت ثان .

والرب : المالك المتصرف بالتدبير ورعي الرفق والرحمة ، والمراد بالسماوات والأرض وما بينهما مسماها مع ما فيها من الموجودات لأن اسم المكان قد يراد به ساكنه كما في قوله تعالى : ﴿ فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها ﴾ في سورة الحج ، فإن الظلم من صفات سكان القرية لا صفة لذاتها ، والخواء على عروشها من أحوال ذات القرية لا من أحوال سكانها ، فكان إطلاق القرية مرادا به كلا المعنيين .

والمراد بما بين السماوات والأرض : ما على الأرض من كائنات وما في السماوات من الملائكة وما لا يعلمه بالتفصيل إلا الله وما في الجو من المكونات حية وغيرها من أسحبة وأمطار وموجودات سابحة في الهواء .

و ﴿ ما ﴾ موصولة وهي من صيغ العموم ، وقد استفيد من ذلك تعميم ربوبيته على جميع المصنوعات .

وأتبع وصف ﴿ رب السماوات ﴾ بذكر اسم من أسمائه الحسنى ، وهو اسم ﴿ الرحمن ﴾ وخص بالذكر دون غيره من الأسماء الحسنى لأن في معناه إيماء إلى أن ما يفيضه من خير على المتقين في الجنة هو عطاء رحمان بهم .

وفي ذكر هذه الصفة الجليلة تعريض بالمشركين إذ أنكروا اسم الرحمن الوارد في القرآن كما حكى الله عنهم بقوله : ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ﴾ ( الفرقان : 60 ) .

.

يجوز أن تكون هذه الجملة حالا من ﴿ ما بينهما ﴾ لأن ما بين السماوات والأرض يشمل ما في ذلك من المخلوقات العاقلة ، أو المزعوم لها العقل مثل الأصنام ، فيتوهم أن من تلك المخلوقات من يستطيع خطاب الله ومراجعته .

ويجوز أن تكون استئنافا ابتدائيا لإبطال مزاعم المشركين أو للاحتراس لدفع توهم أن ما تشعر به صلة رب من الرفق بالمربوبين في تدبير شؤونهم يسيغ إقدامهم على خطاب الرب .

والملك في قوله : ﴿ لا يملكون منه خطابا ﴾ معناه القدرة والاستطاعة لأن المالك يتصرف فيما يملكه حسب رغبته لا رغبة غيره فلا يحتاج إلى إذن غيره .

فنفي الملك نفي للاستطاعة .

وقوله : ﴿ منه ﴾ حال من ﴿ خطابا ﴾ . وأصله صفة لخطاب فلما تقدم على موصوفه صار حالا .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢١