تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفرع على ( دمدم عليهم ) ﴿ فسواها ﴾ أي فاستووا في إصابتها لهم ، فضمير النصب عائد إلى الدمدمة المأخوذة من ( دمدم عليهم ) .

ومن فسروا ( دمدم ) بمعنى : أطبق عليهم الأرض قالوا معنى ( سواها ) : جعل الأرض مستوية عليهم لا تظهر فيها أجسادهم ولا بلادهم ، وجعلوا ضمير المؤنث عائدا إلى الأرض المفهومة من فعل ( دمدم ) فيكون كقوله تعالى : ﴿ لو تسوى بهم الأرض ﴾ ( النساء : 42 ) .

وبين ﴿ فسواها ﴾ هنا وقوله : ﴿ وما سواها ﴾ ( الشمس : 7 ) قبله محسن الجناس التام .

والعقبى : ما يحصل عقب فعل من الأفعال من تبعة لفاعله أو مثوبة ، ولما كان المذكور عقابا وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنى في نفسه الأخذ بالثأر من غالبه فلا يهدأ له بال حتى يثأر لنفسه ، ولذلك يقولون : الثأر المنيم ، أي الذي يزيل النوم عن صاحبه ، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذرا من أن يتمكن مغلوبه من الثأر ، أخبر الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبه على أخذ الثأر منه ، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين ، وأن تأخير العذاب عنهم إمهال لهم وليس عن عجز فجملة ﴿ فلا يخاف عقباها ﴾ تذييل للكلام وإيذان بالختام .

ويجوز أن يكون قوله : ﴿ فلا يخاف عقباها ﴾ تمثيلا لحالهم في الاستئصال بحال من لم يترك من يثأر له فيكون المثل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم يبق منهم أحد .

وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿ فلا يخاف عقباها ﴾ بفاء العطف تفريعا على ﴿ فدمدم عليهم ربهم ﴾ وهو مكتوب بالفاء في مصاحف المدينة ومصحف الشام . . . ومعنى التفريع بالفاء على هذه القراءة تفريع العلم بانتفاء خوف الله منهم مع قوتهم ليرتدع بهذا العلم أمثالهم من المشركين .

وقرأ الباقون من العشرة : ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ بواو العطف أو الحال ، وهي كذلك في مصاحف أهل مكة وأهل البصرة والكوفة ، وهي رواية قرائها . وقال ابن القاسم وابن وهب : أخرج لنا مالك مصحفا لجده وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كتب المصاحف وفيه ﴿ ولا يخاف ﴾ بالواو ، وهذا يقتضي أن بعض مصاحف المدينة بالواو ولكنهم لم يقرأوا بذلك لمخالفته روايتهم .

| 1 ( سورة الليل ) 1

سميت هذه السورة في معظم المصاحف وبعض كتب التفسير ( سورة الليل ) بدون واو ، وسميت في معظم كتب التفسير ( سورة والليل ) بإثبات الواو ، وعنونها البخاري والترمذي ( سورة والليل إذا يغشى ) .

وهي مكية في قول الجمهور ، واقتصر عليه كثير من المفسرين . وحكى ابن عطية عن المهدوي أنه قيل : إنها مدنية ، وقيل : بعضها مدني ، وكذلك ذكر الأقوال في ( الإتقان ) ، وأشار إلى أن ذلك لما روي من سبب نزول قوله تعالى : ﴿ فأما من أعطى واتقى ﴾ ( الليل : 5 ) إذ روي : ( أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري في نخلة كان يأكل أيتام من ثمرها وكانت لرجل من المنافقين فمنعهم من ثمرها فاشتراها أبو الدحداح بنخيل وجعلها لهم ) وسيأتي .

وعدت التاسعة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الأعلى وقبل سورة الفجر .

وعدد آيها عشرون .

أغراضها

احتوت على بيان شرف المؤمنين وفضائل أعمالهم ومذمة المشركين ومساويهم وجزاء كل .

وأن الله يهدي الناس إلى الخير فهو يجزي المهتدين بخير الحياتين والضالين بعكس ذلك .

وأنه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم للتذكير بالله وما عنده فينتفع من يخشى فيفلح

ويصدف عن الذكرى من كان شقيا فيكون جزاؤه النار الكبرى وأولئك هم الذين صدهم عن التذكر إيثار حب ما هم فيه في هذه الحياة .

وأدمج في ذلك الإشارة إلى دلائل قدرة الله تعالى وبديع صنعه .

| 2 ( ﴿ واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والانثى * إن سعيكم لشتى * فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى * وما يغنى عنه ماله إذا تردى * إن علينا للهدى * وإن لنا للاخرة والاولى * فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاهآ إلا الاشقى * الذى كذب وتولى * وسيجنبها الاتقى * الذى يؤتى ماله يتزكى * وما لاحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغآء وجه ربه الاعلى * ولسوف يرضى ﴾ ) 2

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٨٧