تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقدم الفلاح على الخيبة لمناسبته للتقوى ، وأردف بخيبة من دسى نفسه لتهيئة الانتقال إلى الموعظة بما حصل لثمود من عقاب على ما هو أثر التدسية .

و ﴿ من ﴾ صادقة على الإنسان ، أي الذي زكى نفسه بأن اختار لها ما به كمالها ودفع الرذائل عنها ، فالإنسان والنفس شيء واحد ، ونزلا منزلة شيئين باختلاف الإرادة والاكتساب .

والتزكية : الزيادة من الخير .

ومعنى : ﴿ دساها ﴾ حال بينها وبين فعل الخير . وأصل فعل دسى : دس ، إذا أدخل شيئا تحت شيء فأخفاه ، فأبدلوا الحرف المضاعف ياء طلبا للتخفيف كما قالوا : تقضى البازي أو تقضض ، وقالوا : تظنيت ، أي من الظن .

وإن كانت جملة ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ جواب القسم فجملة ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ ( الشمس : 11 ) في موقع الدليل لمضمون جملة ﴿ وقد خاب من دساها ﴾ أي خاب كخيبة ثمود .

والفلاح : النجاح بحصول المطلوب ، والخيبة ضده ، أي أن يحرم الطالب مما طلبه .

فالإنسان يرغب في الملائم النافع ، فمن الناس من يطلب ما به النفع والكمال الدائمان ، ومن الناس من يطلب ما فيه عاجل النفع والكمال الزائف ، فالأول قد نجح فيما طلبه فهو مفلح ، والثاني يحصل نفعا عارضا زائلا وكمالا موقتا ينقلب انحطاطا فذلك لم ينجح فيما طلبه فهو خائب ، وقد عبر عن ذلك هنا بالفلاح والخيبة كما عبر عنه في مواضع أخر بالربح والخسارة .

والمقصود هنا الفلاح في الآخرة والخيبة فيها .

وفي هذه الآيات محسن الطباق غير مرة فقد ذكرت أشياء متقابلة متضادة مثل الشمس والقمر لاختلاف وقت ظهورهما ، ومثل النهار والليل ، والتجلية

والغشي ، والسماء والأرض ، والبناء والطحو ، والفجور والتقوى ، والفلاح والخيبة ، والتزكية والتدسية .

( 11 15 ) ﴿ ﴾

.

إن كانت جملة ﴿ قد أفلح من زكاها ﴾ ( الشمس : 9 ) الخ معترضة كانت هذه جوابا للقسم باعتبار ما فرع عليها بقوله : ﴿ فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ﴾ أي حقا لقد كان ذلك لذلك ، ولام الجواب محذوف تخفيفا لاستطالة القسم ، وقد مثلوا لحذف اللام بهذه الآية وهو نظير قوله تعالى : ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ إلى قوله : ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ ( البروج : 1 4 ) .

والمقصود : التعريض بتهديد المشركين الذين كذبوا الرسول طغيانا هم يعلمونه من أنفسهم كما كذبت ثمود رسولهم طغيانا ، وذلك هو المحتاج إلى التأكيد بالقسم لأن المشركين لم يهتدوا إلى أن ما حل بثمود من الاستئصال كان لأجل تكذيبهم رسول الله إليهم ، فنبههم الله بهذا ليتدبروا أو لتنزيل علم من علم ذلك منهم منزلة الإنكار لعدم جري أمرهم على موجب العلم ، فكأنه قيل : أقسم ليصيبكم عذاب كما أصاب ثمود ، ولقد أصاب المشركين عذاب السيف بأيدي الذين عادوهم وآذوهم وأخرجوهم ، وذلك أقسى عليهم وأنكى .

فمفعول ﴿ كذبت ﴾ محذوف لدلالة قوله بعده : ﴿ فقال لهم رسول الله ﴾ والتقدير : كذبوا رسول الله .

وتقدم ذكر ثمود ورسولهم صالح عليه السلام في سورة الأعراف .

وباء ﴿ بطغواها ﴾ للسببية ، أي كانت طغواها سبب تكذيبهم رسول الله إليهم .

والطغوى : اسم مصدر يقال : طغا طغوا وطغيانا ، والطغيان : فرط الكبر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ﴿ ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ في سورة البقرة ، وفيه تعريض بتنظير مشركي قريش في تكذيبهم بثمود في أن سبب تكذيبهم هو

الطغيان والتكبر عن اتباع من لا يرون له فضلا عليهم : ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ ( الزخرف : 31 ) .

و ﴿ إذ ﴾ ظرف للزمن الماضي يتعلق ب ﴿ طغواها ﴾ لأن وقت انبعاث أشقاها لعقر الناقة هو الوقت الذي بدت فيه شدة طغواها فبعثوا أشقاهم لعقر الناقة التي جعلت لهم آية وذلك منتهى الجرأة .

و ﴿ انبعث ﴾ : مطاوع بعث ، فالمعنى : إذ بعثوا أشقاهم فانبعث وانتدب لذلك . و ﴿ إذ ﴾ مضاف إلى جملة : ﴿ انبعث أشقاها ﴾ .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٨٥