ونصب ﴿ كل ﴾ على المفعولية ل ﴿ أحصيناه ﴾ على طريقة الاشتغال بضميره .
والإحصاء : حساب الأشياء لضبط عددها ، فالإحصاء كناية عن الضبط والتحصيل .
وانتصب ﴿ كتابا ﴾ على المفعولية المطلقة ل ﴿ أحصيناه ﴾ . والتقدير : إحصاء كتابة ، فهو مصدر بمعنى الكتابة ، وهو كناية عن شدة الضبط لأن الأمور المكتوبة مصونة عن النسيان والإغفال ، فباعتبار كونه كناية عن الضبط جاء مفعولا مطلقا ل ( أحصينا ) .
الفاء للتفريع والتسبب على جملة ﴿ إن جهنم كانت مرصادا ﴾ ( النبأ : 21 ) وما اتصل بها ، ولما غير أسلوب الخبر إلى الخطاب بعد أن كان جاريا بطريق الغيبة ، ولم يكن مضمون الخبر مما يجري في الدنيا فيظن أنه خطاب تهديد للمشركين تعين أن يكون المفرع قولا محذوفا دل عليه ﴿ ذوقوا ﴾ الذي لا يقال إلا يوم الجزاء ،
فالتقدير : فيقال لهم ذوقوا إلى آخره ، ولهذا فليس في ضمير الخطاب التفات فالمفرع بالفاء هو فعل القول المحذوف .
والأمر في ( ذوقوا ) مستعمل في التوبيخ والتقريع .
وفرع على ﴿ فذوقوا ﴾ ما يزيد تنكيدهم وتحسيرهم بإعلامهم بأن الله سيزيدهم عذابا فوق ما هم فيه .
والزيادة : ضم شيء إلى غيره من جنس واحد أو غرض واحد ، قال تعالى : ﴿ فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾ ( التوبة : 125 ) وقال : ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تبارا ﴾ ( نوح : 28 ) ، أي لا تزدهم على ما هم فيه من المساوي إلا الإهلاك .
فالزيادة المنفية في قوله : ﴿ فلن نزيدكم إلا عذابا ﴾ يجوز أن تكون زيادة نوع آخر من عذاب يكون حاصلا لهم كما في قوله تعالى : ﴿ زدناهم عذابا فوق العذاب ﴾ ( النحل : 88 ) .
ويجوز أن تكون زيادة من نوع ما هم فيه من العذاب بتكريره في المستقبل .
والمعنى : فسنزيدكم عذابا زيادة مستمرة في أزمنة المستقبل ، فصيغ التعبير عن هذا المعنى بهذا التركيب الدقيق ، إذ ابتدىء بنفي الزيادة بحرف تأبيد النفي وأردف الاستثناء المقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى فصارت دلالة الاستثناء على معنى : سنزيدكم عذابا مؤبدا . وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده وهو أسلوب طريف من التأكيد إذ ليس فيه إعادة لفظ فإن زيادة العذاب تأكيد للعذاب الحاصل .
ولما كان المقصود الوعيد بزيادة العذاب في المستقبل جيء في أسلوب نفيه بحرف نفي المستقبل ، وهو ( لن ) المفيد تأكيد النسبة المنفية وهي ما دل عليه مجموع النفي والاستثناء ، فإن قيد تأبيد نفي الزيادة الذي يفيده حرف ( لن ) في جانب المستثنى منه يسري إلى إثبات زيادة العذاب في جانب المستثنى ، فيكون معنى جملة الاستثناء : سنزيدكم عذابا أبدا ، وهو معنى الخلود في العذاب . وفي هذا الأسلوب ابتداء مطمع بانتهاء مؤيسس وذلك أشد حزنا وغما بما يوهمهم أن ما ألقوا فيه هو منتهى التعذيب حتى إذا ولج ذلك أسماعهم فحزنوا له ، أتبع بأنهم
ينتظرهم عذاب آخر أشد ، فكان ذلك حزنا فوق حزن ، فهذا منوال هذا النظم وهو مؤذن بشدة الغضب .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي برزة الأسلمي وأبي هريرة : أن هذه الآية أشد ما نزل في أهل النار ، وقد أسند هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عن أبي برزة الأسلمي . قال : ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار ؟ فقال : قول الله تعالى : ﴿ فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ﴾ . وفي سنده جسر بن فرقد وهو ضعيف جدا .
وفي ( ابن عطية ) : أن أبا هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر ابن عطية سنده ، وتعدد طرقه يكسبه قوة .
( 31 36 ) ﴿ ﴾
جرى هذا الانتقال على عادة القرآن في تعقيب الإنذار للمنذرين بتبشير من هم أهل للتبشير .
فانتقل من ترهيب الكافرين بما سيلاقونه إلى ترغيب المتقين فيما أعد لهم في الآخرة من كرامة ومن سلامة مما وقع فيه أهل الشرك .