وليس لهذه الأقوال شاهد من النقل الصحيح ولا يلائمها القسم ولا السياق .
والخلق : إيجاد ما لم يكن موجودا ، ويطلق على إيجاد حالة لها أثر قوي في الذات كقوله تعالى : ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ﴾ ( الزمر : 6 ) وقوله : ﴿ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ﴾ ( المائدة : 110 ) . فهو جعل يغير ذات الشيء .
والكبد بفتحتين : التعب والشدة ، وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكبد ، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسر به الكبد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار ، حتى كأنهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التئامه ، ويحق وءامه .
وقد غضوا النظر عن موقع فعل ﴿ خلقنا ﴾ على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل ﴿ خلقنا ﴾ كمعذرة للإنسان الكافر في ملازمة الكبد له إذ هو مخلوق فيه . وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم ، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة . واضطراب رأيهم في الجمع بين ادعاء الشركاء لله تعالى وبين توجههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضر . ومن إحالتهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق الأول فقوله : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ دليل مقصودا وحده بل هو توطئة لقوله : ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ﴾ ( البلد : 5 ) . والمقصود إثبات إعادة خلق الإنسان بعد الموت للبعثث والجزاء الذي أنكروه وابتدأهم القرآن بإثباته في سور كثيرة من السور الأولى .
فوزان هذا التمهيد وزان التمهيد بقوله : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ ( التين : 4 ، 5 ) بعد القسم بقوله : ﴿ التين والزيتون ﴾ ( التين : 1 ) الخ .
فمعنى : ﴿ أيحسب أن لن يقدر عليه ﴾ ( البلد : 5 ) : أيحسب أن لن نقدر عليه بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقا آخر ، فهو في طريقة القسم والمقسم عليه بقوله تعالى : ﴿ لا أقسم بيوم القيامة إلى قوله : أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ ( القيامة : 1 4 ) . أي كما خلقناه أول مرة في نصب من أطوار الحياة كذلك نخلقه خلقا ثانيا في كبد من العذاب في الآخرة لكفره .
وبذلك يظهر موقع إدماج قوله ﴿ في كبد ﴾ لأن المقصود التنظير بين الخلقين الأول والثاني في أنهما من مقدور الله تعالى .
والظرفية من قوله : ﴿ في كبد ﴾ مستعملة مجازا في الملازمة فكأنه مظروف في الكبد ، ونظيره قوله : { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد
أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم } ( سبأ : 8 ، 9 ) الآية . فالمراد : عذاب الدنيا ، وهو مشقة اضطراب البال في التكذيب واختلاقق المعاذير والحيرة من الأمر على أحد التفسيرين لتلك الآية .
فالمعنى : أن الكبد ملازم للمشرك من حين اتصافه بالإشراك وهو حين تقوم العقل وكمالل الإدراك .
ومن الجائز أن يجعل قوله : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ من قبيل القلب المقبول لتضمنه اعتبارا لطيفا وهو شدة تلبس الكبد بالإنسان المشرك حتى كأنه خلق في الكبد .
والمعنى : لقد خلقنا الكبد في الإنسان الكافر .
وللمفسرين تأويلات أخرى في معنى الآية لا يساعد عليها السياق .
هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ ( البلد : 4 ) .
والاستفهام مستعمل في التوبيخ والتخطئة .
وضمير ﴿ أيحسب ﴾ راجع إلى الإنسان لا محالة ، ومن آثار الحيرة في معنى ﴿ لقد خلقنا الإنسان في كبد ﴾ ( البلد : 4 ) أن بعض المفسرين جعل ضمير ﴿ أيحسب ﴾ راجعا إلى بعض مما يعمه لفظ الإنسان مثل أبي الأشد الجمحي ، وهو ضغث على إبالة .
( 6 ، 7 )
أعقبت مساوي نفسه بمذام أقواله ، وهو التفخر الكاذب والتمدح بإتلاف المال في غير صلاح . وقد كان أهل الجاهلية يتبجحون بإتلاف المال ويعدونه منقبة لإيذانه بقلة اكتراث صاحبه به ، قال عنترة :