﴿ ﴾ .
استئناف ابتدائي انتقل به من تهديدهم بعذاب الدنيا الذي في قوله : ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴾ ( الفجر : 6 ) الآيات إلى الوعيد بعذاب الآخرة . فإن استخفوا بما حل بالأمم قبلهم أو أمهلوا فأخر عنهم العذاب في الدنيا فإن عذابا لا محيص لهم عنه ينتظرهم يوم القيامة حين يتذكرون قسرا فلا ينفعهم التذكر ، ويندمون ولات ساعة مندم .
فحاصل الكلام السابق أن الإنسان الكافر مغرور ينوط الحوادث بغير أسبابها ، ويتوهمها على غير ما بها ولا يصغي إلى دعوة الرسل فيستمر طول حياته في عماية ، وقد زجروا عن ذلك زجرا مؤكدا .
وأتبع زجرهم إنذارا بأنهم يحين لهم يوم يفيقون فيه من غفلتهم حين لا تنفع الإفاقة .
والمقصود من هذا الكلام هو قوله : ﴿ فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ﴾ ، وقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ ( الفجر : 27 ) ، وأما ما سبق من قوله ﴿ إذا دكت الأرض ﴾ إلى قوله ﴿ وجيء يومئذ بجهنم ﴾ فهو توطئة وتشويق لسماع ما يجيء بعده وتهويل لشأن ذلك اليوم وهو الوقت الذي عرف بإضافة جملة ﴿ دكت الأرض ﴾ وما بعدها من الجمل وقد عرف بأشراط حلوله وبما يقع فيه من هول العقاب .
والدك : الحطم والكسر .
والمراد بالأرض الكرة التي عليها الناس ، ودكها حطمها وتفرق أجزائها الناشىء عن فساد الكون الكائنة عليه الآن ، وذلك بما يحدثه الله فيها من زلازل كما في قوله : ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ ( الزلزلة : 1 ) الآية .
و ﴿ دكا دكا ﴾ يجوز أن يكون أولهما منصوبا على المفعول المطلق المؤكد لفعله . ولعل تأكيده هنا لأن هذه الآية أول آية ذكر فيها دك الجبال ، وإذ قد كان أمرا خارقا للعادة كان المقام مقتضيا تحقيق وقوعه حقيقة دون مجاز ولا مبالغة ، فأكد مرتين هنا ولم يؤكد نظيره في قوله : ﴿ فدكتا دكة واحدة ﴾ في سورة الحاقة ف ﴿ دكا ﴾ الأول مقصود به رفع احتمال المجاز عن ( دكتا ) الدك أي هو دك حقيقي ، و ﴿ دكا ﴾ الثاني منصوبا على التوكيد اللفظي لدكا الأول لزيادة تحقيق إرادة مدلول الدك الحقيقي لأن دك الأرض العظيمة أمر عجيب فلغرابته اقتضى إثباته زيادة تحقيق لمعناه الحقيقي .
وعلى هذا درج الرضي قال : ويستثنى من منع تأكيد النكرات ( أي تأكيدا لفظيا ) شيء واحد وهو جواز تأكيدها إذا كانت النكرة حكما لا محكوما عليه كقوله صلى الله عليه وسلم ( فنكاحها باطل باطل باطل ) . ومثله قوله تعالى : ﴿ دكت الأرض دكا دكا ﴾ فهو مثل : ضرب ضرب زيد ا ه .
وهذا يلائم ما في وصف دك الأرض في سورة الحاقة بقوله تعالى : ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ﴾ ( الحاقة : 14 ) ودفع المنافاة بين هذا وبين ما في سورة الحاقة .
ويجوز أن يكون مجموع المصدرين في تأويل مفرد منصوب على المفعول المطلق المبين للنوع . وتأويله . أنه دك يعقب بعضه بعضا كما تقول : قرأت الكتاب بابا بابا وبهذا المعنى فسر صاحب ( الكشاف ) وجمهور المفسرين من بعده . وبعض المفسرين سكت عن بيانه قال الطيبي : ( قال ابن الحاجب : لعله قاله في ( أماليه على المقدمة الكافية ) وفي نسختي منها نقص ولا أعرف غيرها بتونس ولا يوجد هذا الكلام في ( إيضاح المفصل ) بينت له حسابه بابا بابا ، أي مفصلا . والعرب تكرر
الشيء مرتين ) فتستوعب تفصيل جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه لفظ المكرر ، فإذا قلت : بينت له الكتاب بابا بابا فمعناه بينته له مفصلا باعتبار أبوابه اه .
قلت : هذا الوجه أوفى بحق البلاغة فإنه معنى زائد على التوكيد والتوكيد حاصل بالمصدر الأول .
وفي ( تفسير الفخر ) : وقيل : فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا لا ترى فيها أمتا وتبعه البيضاوي يعني : أن الدك كناية عن التسوية لأن التسوية من لوازم الدك ، أي صارت الجبال مع الأرض مستويات لم يبق فيها نتوء .