واللابث : المقيم بالمكان . وانتصب ﴿ لابثين ﴾ على الحال من الطاغين .
وقرأه الجمهور ﴿ لابثين ﴾ على صيغة جمع لابث . وقرأه حمزة وروح عن يعقوب { لبثين على صيغة جمع ( لبث ) من أمثلة المبالغة مثل حذر على خلاف فيه ، أو من الصفة المشبهة فتقتضي أن اللبث شأنه كالذي يجثم في مكان لا ينفك عنه .
وأحقاب : جمع حقب بضمتين ، وهو زمن طويل نحو الثمانين سنة ، وتقدم في قوله : أو أمضي حقبا } في سورة الكهف
.
وجمعه هنا مراد به الطول العظيم لأن أكثر استعمال الحقب والأحقاب أن يكون في حيث يراد توالي الأزمان ويبين هذا الآيات الأخرى الدالة على خلود المشركين ، فجاءت هذه الآية على المعروف الشائع في الكلام كناية به عن الدوام دون انتهاء .
وليس فيه دلالة على أن لهذا اللبث نهاية حتى يحتاج إلى دعوى نسخ ذلك بآيات الخلود وهو وهم لأن الأخبار لا تنسخ ، أو يحتاج إلى جعل الآية لعصاة المؤمنين ، فإن ذلك ليس من شأن القرآن المكي الأول إذ قد كان المؤمنون أيامئذ صالحين مخلصين مجدين في أعمالهم .
( 24 26 )
هذه الجملة يجوز أن تكون حالا ثانية من ﴿ الطاغين ﴾ ( النبأ : 22 ) أو حالا أولى من الضمير في ﴿ لابثين ﴾ ( النبأ : 23 ) وأن تكون خبرا ثالثا : ل ﴿ كانت مرصادا ﴾ ( النبأ : 21 ) .
وضمير ﴿ فيها ﴾ على هذه الوجوه عائد إلى ﴿ جهنم ﴾ ( النبأ : 21 ) .
ويجوز أن تكون صفة ل ﴿ أحقابا ﴾ ( النبأ : 23 ) ، أي لا يذوقون في تلك الأحقاب بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا . فضمير ﴿ فيها ﴾ على هذا الوجه عائد إلى الأحقاب .
وحقيقة الذوق : إدراك طعم الطعام والشراب . ويطلق على الإحساس بغير الطعوم إطلاقا مجازيا . وشاع في كلامهم ، يقال : ذاق الألم ، وعلى وجدان النفس كقوله تعالى : ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ ( المائدة : 95 ) . وقد استعمل هنا في معنييه حيث نصب ﴿ بردا ﴾ و ﴿ شرابا ﴾ .
والبرد : ضد الحر ، وهو تنفيس للذين عذابهم الحر ، أي لا يغاثون بنسيم بارد ، والبرد ألذ ما يطلبه المحرور . وعن مجاهد والسدي وأبي عبيدة ونفر قليل تفسير البرد بالنوم وأنشدوا شاهدين غير واضحين ، وأيا ما كان فحمل الآية عليه تكلف لا داعي إليه ، وعطف ﴿ ولا شرابا ﴾ يناكده . والشراب : ما يشرب والمراد به الماء الذي يزيل العطش . والحميم : الماء الشديد الحرارة .
والغساق : قرأه الجمهور بتخفيف السين : وقرأه حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين وهما لغتان فيه . ومعناه الصديد الذي يسيل من جروح الحرق وهو المهل ، وتقدما في سورة ( ص ) .
واستثناء ﴿ حميما وغساقا ﴾ من ﴿ بردا ﴾ أو ﴿ شرابا ﴾ على طريقة اللف والنشر المرتب ، وهو استثناء منقطع لأن الحميم ليس من جنس البرد في شيء إذ هو شديد الحر ، ولأن الغساق ليس من جنس الشراب ، إذ ليس المهل من جنس الشراب .
والمعنى : يذوقون الحميم إذ يراق على أجسادهم ، والغساق إذ يسيل على مواضع الحرق فيزيد ألمهم .
وصورة الاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده في الصورة .
و ﴿ جزاء ﴾ منصوب على الحال من ضمير ﴿ يذوقون ﴾ ، أي حالة كون ذلك جزاء ، أي مجازى به ، فالحال هنا مصدر مؤول بمعنى الوصف وهو أبلغ من الوصف .
والوفاق : مصدر وافق وهو مؤول بالوصف ، أي موافقا للعمل الذي جوزوا عليه ، وهو التكذيب بالبعث وتكذيب القرآن كما دل عليه التعليل بعده بقوله : ﴿ إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا ﴾ ( النبأ : 27 ، 28 ) .
فإن ذلك أصل إصرارهم على الكفر ، وهما أصلان : أحدهما عدمي وهو إنكار البعث ، والآخر وجودي وهو نسبتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن للكذب ، فعوقبوا على الأصل العدمي بعقاب عدمي وهو حرمانهم من البرد والشراب ، وعلى الأصل الوجودي بجزاء وجودي وهو الحميم يراق على أجسادهم والغساق يمر على جراحهم .