تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعيين الأوقات للعبادات مما انفرد الله به ، فلأوقات العبادات حرمات بالجعل الرباني ، ولكن إذا اختلت أو اختلطت لم يكن اختلالها أو اختلاطها بقاض بسقوط العبادات المعينة لها .

فقسم الله تعالى بالليالي العشر في هذه مما نزل بمكة قسم بما في علمه من تعيينها في علمه .

و ﴿ الشفع ﴾ : ما يكون ثانيا لغيره ، و ﴿ الوتر ﴾ : الشيء المفرد ، وهما صفتان لمحذوف ، فعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر ذلك لأنه عاشر ذي الحجة ومناسبة الابتداء بالشفع أنه اليوم العاشر فناسب قوله : ﴿ وليال عشر ﴾ ، وأن الوتر يوم عرفة رواه أحمد بن حنبل والنسائي وقد تقدم آنفا ، وعلى هذا التفسير فذكر الشفع والوتر تخصيص لهذين اليومين بالذكر للاهتمام ، بعد شمول الليالي العشر لهما .

وفي ( جامع الترمذي ) عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الشفع والوتر والصلاة منها شفع ومنها وتر ) . قال الترمذي : وهو حديث غريب وفي ( العارضة أن في سنده مجهولا ، قال ابن كثير : ( وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه ) .

وينبغي حمل الآية على كلا التفسيرين .

وقيل : الشفع يومان بعد يوم منى ، والوتر اليوم الثالث وهي الأيام المعدودات فتكون غير الليالي العشر .

وتنكير ﴿ ليال ﴾ وتعريف ﴿ الشفع والوتر ﴾ مشير إلى أن الليالي العشر ليال معينة وهي عشر ليال في كل عام ، وتعريف ﴿ الشفع والوتر ﴾ يؤذن بأنهما معروفان وبأنهما الشفع والوتر من الليالي العشر .

وفي تفسير ﴿ الشفع والوتر ﴾ أقوال ثمانية عشر وبعضها متداخل استقصاها القرطبي ، وأكثرها لا يحسن حمل الآية عليه إذ ليست فيها مناسبة للعطف على ليال عشر .

وقرأ الجمهور : ﴿ والوتر ﴾ بفتح الواو وهي لغة قريش وأهل الحجاز . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الواو وهي لغة تميم وبكر بن سعد بن بكر وهم بنو سعد أظآر النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل العالية ، فهما لغتان في الوتر . بمعنى الفرد .

و ﴿ الليل ﴾ عطف على ﴿ ليالي عشر ﴾ عطف الأعم على الأخص أو عطف على ﴿ الفجر ﴾ بجامع التضاد . وأقسم به لما أنه مظهر من مظاهر قدرة الله وبديع حكمته .

ومعنى يسري : يمضي سائرا في الظلام ، أي إذا انقضى منه جزء كثير ، شبه تقضي الليل في ظلامه بسير السائر في الظلام وهو السرى كما شبه في قوله : ﴿ والليل إذ أدبر ﴾ ( المدثر : 33 ) وقال : ﴿ والليل إذا سجى ﴾ ( الضحى : 2 ) ، أي تمكن ظلامه واشتد .

وتقييد ﴿ الليل ﴾ بظرف ﴿ إذا يسر ﴾ لأنه وقت تمكن ظلمة الليل فحينئذ يكون الناس أخذوا حظهم من النوم فاستطاعوا التهجد قال تعالى : ﴿ إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا ﴾ ( المزمل : 6 ) وقال : ﴿ ومن الليل فاسجد له وسبحه ﴾ ( الإنسان : 26 ) .

وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب : ﴿ إذا يسري ﴾ بياء بعد الراء في الوصل على الأصل وبحذفها في الوقف لرعي بقية الفواصل : ( الفجر ، عشر ، والوتر ، حجر ) ففواصل القرآن كالأسجاع في النثر والأسجاع تعامل معاملة القوافي ، قال أبو علي : وليس إثبات الياء في الوقف بأحسن من الحذف ، وجميع ما لا يحذف وما يختار فيه أن لا يحذف ( نحو القاض بالألف واللام ) يحذف إذا كان في قافية أو فاصلة فإن لم تكن فاصلة فالأحسن إثبات الياء . وقرأ ابن كثير ويعقوب بثبوت الياء بعد الراء في الوصل وفي الوقف على الأصل .

وقرأ الباقون بدون ياء وصلا ووقفا ، وهذه الرواية يوافقها رسم المصحف إياها بدون ياء ، والذين أثبتوا الياء في الوصل والوقف اعتمدوا الرواية واعتبروا رسم المصحف سنة أو اعتدادا بأن الرسم يكون باعتبار حالة الوقف .

وأما نافع وأبو عمرو وأبو جعفر فلا يوهن رسم المصحف روايتهم لأن رسم المصحف جاء على مراعاة حال الوقف ومراعاة الوقف تكثر في كيفيات الرسم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٥٩