وقوله : ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ إن حمل على ظاهر نظم الكلام وهو ما جرى عليه المفسرون . فالتيسير مستعار للتهيئة والتسخير ، أي قوة تمكينه صلى الله عليه وسلم من اليسرى وتصرفه فيها بما يأمر الله به ، أي نهيئك للأمور اليسرى في أمر الدين وعواقبه من تيسير حفظ القرآن لك وتيسير الشريعة التي أرسلت بها وتيسير الخير لك في الدنيا والآخرة . وهذه الاستعارة تحسنها المشاكلة .
ومعنى اللام في قوله : ﴿ لليسرى ﴾ العلة ، أي لأجل اليسرى ، أي لقبولها ، ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( كل ميسر لما خلق له ) وتكون هذه الآية على مهيع قوله تعالى : ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ وقوله : ﴿ فسنيسره للعسرى ﴾ في سورة الليل ( 7 10 ) .
ويجوز أن يجعل الكلام جاريا على خلاف مقتضى الظاهر بسلوك أسلوب القلب وأن الأصل : ونيسر لك اليسرى ، أي نجعلها سهلة لك فلا تشق عليك فيبقى فعل : ( نيسرك ) على حقيقته ، وإنما خولف عمله في مفعوله والمجرور المتعلق به على عكس الشائع في مفعوله والمجرور المتعلق به .
وفي وصفها ب ﴿ اليسرى ﴾ إيماء إلى استتباب تيسره لها بما أنها جعلت يسرى ، فلم يبق إلا حفظه من الموانع التي يشق معها تلقي اليسرى .
فاشتمل الكلام على تيسيرين : تيسير ما كلف به النبي صلى الله عليه وسلم أي جعله يسيرا مع وفائه بالمقصود منه ، وتيسير النبي صلى الله عليه وسلم للقيام بما كلف به .
ويوجه العدول عن مقتضى ظاهر النظم إلى ما جاء النظم عليه ، بأن فيه تنزيل الشيء الميسر منزلة الشيء الميسر له والعكس للمبالغة في ثبوت الفعل للمفعول على طريقة القلب المقبولل كقول العرب : ( عرضت الناقة على الحوض ) ، وقول العجاج :
ومهمه مغبرة أرجاؤه
كأن لون أرضه سماؤه
وقد ورد القلب في آيات من القرآن ومنها قوله تعالى : ﴿ ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ﴾ ( القصص : 76 ) ومنه القلب التشبيه المقلوب .
والمعنى : وعد الله إياه بأنه يسره لتلقي أعباء الرسالة فلا تشق عليه ولا تحرجه تطمينا له إذ كان في أول أمر إرساله مشفقا أن لا يفي بواجباتها . أي أن الله جعله قابلا لتلقي الكمالات وعظائم تدبير الأمة التي من شأنها أن تشق على القائمين بأمثالها .
ومن آثار هذا التيسير ما ورد في الحديث : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( إنما بعثتم ميسرين لا معسرين ) .
( 9 13 )
بعد أن ثبت الله رسوله صلى الله عليه وسلم تكفل له ما أزال فرقه من أعباء الرسالة وما اطمأنت به نفسه من دفع ما خافه من ضعف عن أدائه الرسالة على وجهها وتكفل له دفع نسيان ما يوحى إليه إلا ما كان إنساؤه مرادا لله تعالى . ووعده بأنه وفقه وهيأه لذلك ويسره عليه ، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مبدأ عهده بالرسالة ( إذ كانت هذه السورة ثامنة السور ) لا يعلم ما سيتعهد الله به فيخشى أن يقصر عن مراد الله فيلحقه غضب منه أو ملام . أعقب ذلك بأن أمره بالتذكير ، أي التبليغ ، أي بالاستمرار عليه ، إرهافا لعزمه ، وشحذا لنشاطه ليكون إقباله على
التذكير بشراشره فإن امتثال الأمر إذا عاضده إقبال النفس على فعل المأمور به كان فيه مسرة للمأمور ، فجمع بين أداء الواجب وإرضاء الخاطر .
فالفاء للتفريع على ما تقدم تفريع النتيجة على المقدمات .
والأمر : مستعمل في طلب الدوام .
والتذكير : تبليغ الذكر وهو القرآن .
والذكرى : اسم مصدر التذكير وقد تقدم في سورة عبس .
ومفعول ﴿ فذكر ﴾ محذوف لقصد التعميم ، أي فذكر الناس ودل عليه قوله : ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ الآيتين .
وجملة : ﴿ إن نفعت الذكرى ﴾ معترضة بين الجملتين المعللة وعلتها ، وهذا الاعتراض منظور فيه إلى العموم الذي اقتضاه حذف مفعول ﴿ فذكر ﴾ ، أي فدم على تذكير الناس كلهم إن نفعت الذكرى جميعهم ، أي وهي لا تنفع إلا البعض وهو الذي يؤخذ من قوله : ﴿ سيذكر من يخشى ﴾ الآية .