تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما بالنسبة إلى المرأة فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر المرأة وهو الترائب لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق التي يسير فيها دم الحيض الحامل للبويضات التي منها النسل ، والحيض يسيل من فوهات عروق في الرحم ، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب الطهر . والرحم يأتيها عصب من الدماغ .

وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن الذي لم يكن علم به للذين نزل بينهم ، وهو إشارة مجملة وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن احتلام المرأة ، فقال : تغتسل إذا أبصرت الماء فقيل له : أترى المرأة ذلك فقال : ( وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه ) .

( 8 10 )

استئناف بياني ناشىء عن قوله : ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق ﴾ ( الطارق : 5 ) لأن السامع يتساءل عن المقصد من هذا الأمر بالنظر في أصل الخلقة ، وإذ قد كان ذلك النظر نظر استدلال فهذا الاستئناف البياني له يتنزل منزلة نتيجة الدليل ، فصار

المعنى : أن الذي خلق الإنسان من ماء دافق قادر على إعادة خلقه بأسباب أخرى وبذلك يتقرر إمكان إعادة الخلق ويزول ما زعمه المشركون من استحالة تلك الإعادة .

وضمير ﴿ إنه ﴾ عائد إلى الله تعالى وإن لم يسبق ذكر لمعاد ولكن بناء الفعل للمجهول في قوله : ﴿ خلق من ماء دافق ﴾ ( الطارق : 6 ) يؤذن بأن الخالق معروف لا يحتاج إلى ذكر اسمه ، وأسند الرجع إلى ضميره دون سلوك طريقة البناء للمجهول كما في قوله : ﴿ خلق ﴾ لأن المقام مقام إيضاح وتصريح بأن الله هو فاعل ذلك .

وضمير ﴿ رجعه ﴾ عائد إلى ﴿ الإنسان ﴾ ( الطارق : 5 ) .

والرجع : مصدر رجعه المتعدي . ولا يقال في مصدر رجع القاصر إلا الرجوع .

و ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ متعلق ب ﴿ رجعه ﴾ أي يرجعه يوم القيامة .

و ﴿ السرائر ﴾ : جمع سريرة وهي ما يسره الإنسان ويخفيه من نواياه وعقائده .

وبلو السرائر ، اختبارها وتمييز الصالح منها عن الفاسد ، وهو كناية عن الحساب عليها والجزاء ، وبلو الأعمال الظاهرة والأقوال مستفاد بدلالة الفحوى من بلو السرائر .

ولما كان بلو السرائر مؤذنا بأن الله عليم بما يستره الناس من الجرائم وكان قوله : ﴿ يوم تبلى السرائر ﴾ مشعرا بالمؤاخذة على العقائد الباطلة والأعمال الشنيعة فرع عليه قوله : ﴿ فما له من قوة ولا ناصر ﴾ ، فالضمير عائد إلى ﴿ الإنسان ﴾ ( الطارق : 5 ) . والمقصود ، المشركون من الناس لأنهم المسوق لأجلهم هذا التهديد ، أي فما للإنسان المشرك من قوة يدفع بها عن نفسه وما له من ناصر يدافع عنه .

( 11 14 ) ﴿ ﴾

بعد أن تبين الدليل على إمكان البعث أعقب بتحقيق أن القرآن حق وأن ما فيه قول فصل إبطالا لما موه عليهم من أن أخباره غير صادقة إذ قد أخبرهم بإحياء الرمم البالية .

فالجملة استئناف ابتدائي لغرض من أغراض السورة .

وافتتح الكلام بالقسم تحقيقا لصدق القرآن في الإخبار بالبعث وفي غير ذلك مما اشتمل عليه من الهدى . ولذلك أعيد القسم ب ﴿ السماء ﴾ كما أقسم بها في أول السورة ، وذكر من أحوال السماء ما له مناسبة بالمقسم عليه ، وهو الغيث الذي به صلاح الناس ، فإن إصلاح القرآن للناس كإصلاح المطر . وفي الحديث : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ) . الحديث .

وفي اسم الرجع مناسبة لمعنى البعث في قوله : ﴿ إنه على رجعه لقادر ﴾ ( الطارق : 8 ) وفيه محسن الجناس التام وفي مسمى الرجع وهو المطر المعاقب لمطر آخر مناسبة لمعنى الرجع البعث فإن البعث حياة معاقبة بحياة سابقة .

وعطف ﴿ الأرض ﴾ في القسم لأن بذكر الأرض إتمام المناسبة بين المقسم والمقسم عليه كما علمت من المثل الذي في الحديث .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٣٧