تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعددها في ترتيب نزول السور السادسة والثلاثين . نزلت بعد سورة ( لا أقسم بهذا البلد ) وقبل سورة : ( اقتربت الساعة ) .

أغراضها

إثبات إحصاء الأعمال والجزاء على الأعمال .

وإثبات إمكان البعث بنقض ما أحاله المشركون ببيان إمكان إعادة الأجسام .

وأدمج في ذلك التذكير بدقيق صنع الله وحكمته في خلق الإنسان .

والتنويه بشأن القرآن .

وصدق ما ذكر فيه من البعث لأن إخبار القرآن به لما استبعدوه وموهوا على الناس بأن ما فيه غير صدق . وتهديد المشركين الذين ناوؤا المسلمين .

وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم ووعده بأن الله منتصر له غير بعيد .

| 2 ( ﴿ والسمآء والطارق * ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب * إن كل نفس لما عليها حافظ * فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب والترآئب * إنه على رجعه لقادر * يوم تبلى السرآئر * فما له من قوة ولا ناصر * والسمآء ذات الرجع * والارض ذات الصدع * إنه لقول فصل * وما هو بالهزل * إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ﴾ ) 2

افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم عليه وتشويق إليه كما تقدم في سوابقها . ووقع القسم بمخلوقين عظيمين فيهما دلالة على عظيم قدرة خالقهما هما : السماء ، والنجوم ، أو نجم منها عظيم منها معروف ، أو ما يبدو انقضاضه من الشهب كما سيأتي .

و ﴿ الطارق ﴾ : وصف مشتق من الطروق ، وهو المجيء ليلا لأن عادة العرب أن النازل بالحي ليلا يطرق شيئا من حجر أو وتد إشعارا لرب البيت أن نزيلا نزل به لأن نزوله يقضي بأن يضيفوه ، فأطلق الطروق على النزول ليلا مجازا مرسلا فغلب الطروق على القدوم ليلا .

وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء ، ثم زيد إبهاما مشوبا بتعظيم أمره بقوله : ﴿ وما أدراك ما الطارق ﴾ ثم بين بأنه : ﴿ النجم الثاقب ﴾ ليحصل من ذلك مزيد تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم ، شبه طلوع النجم ليلا بطروق المسافر الطارق بيتا بجامع كونه ظهورا في الليل .

و ﴿ ما أدراك ﴾ استفهام مستعمل في تعظيم الأمر ، وقد تقدم عند قوله تعالى :

﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب في سورة الشورى ، وعند قوله : وما أدراك ما الحاقة ﴾ ( الحاقة : 3 ) وتقدم الفرق بين : ما يدريك ، وما أدراك .

وقوله : ﴿ النجم ﴾ خبر عن ضمير محذوف تقديره : هو ، أي الطارق النجم الثاقب .

والثقب : خرق شيء ملتئم ، وهو هنا مستعار لظهور النور في خلال ظلمة الليل . شبه النجم بمسمار أو نحوه ، وظهور ضوئه بظهور ما يبدو من المسمار من خلال الجسم الذي يثقبه مثل لوح أو ثوب .

وأحسب أن استعارة الثقب لبروز شعاع النجم في ظلمة الليل من مبتكرات القرآن ولم يرد في كلام العرب قبل القرآن . وقد سبق قوله تعالى : ﴿ فأتبعه شهاب ثاقب في سورة الصافات ، ووقع في تفسير القرطبي ﴾ : والعرب تقول اثقب نارك ، أي أضئها ، وساق بيتا شاهدا على ذلك ولم يعزه إلى قائل .

والتعريف في ﴿ النجم ﴾ يجوز أن يكون تعريف الجنس كقول النابغة :

أقول والنجم قد مالت أواخره . . . البيت

فيستغرق جميع النجوم استغراقا حقيقيا وكلها ثاقب فكأنه قيل ، والنجوم ، إلا أن صيغة الإفراد في قوله : ﴿ الثاقب ﴾ ظاهر في إرادة فرد معين من النجوم ، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالبا ، أي والنجم الذي هو طارق .

ويناسب أن يكون نجما يطلع في أوائل ظلمة الليل وهي الوقت المعهود لطروق الطارقين من السائرين . ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد ، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس ، وبه سميت صلاة المغرب ( صلاة الشاهد ) .

روى النسائي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن هذه الصلاة ( أي العصر ) فرضت على من كان قبلكم فضيعوها ) إلى قوله : ( ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٣٤