تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالجزاء على الأعمال فصل بين الناس بعضهم من بعض .

وأوثر التعبير عنه بيوم الفصل لإثبات شيئين :

أحدهما : أنه بين ثبوت ما جحدوه من البعث والجزاء وذلك فصل بين الصدق وكذبهم .

وثانيهما : القضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اعتدى به بعضهم على بعض .

وإقحام فعل ﴿ كان ﴾ لإفادة أن توقيته متأصل في علم الله لما اقتضته حكمته تعالى التي هو أعلم بها وأن استعجالهم به لا يقدمه على ميقاته .

وتقدم { يوم الفصل غير مرة أخراها في سورة المرسلات .

ووصف القرآن بالفصل يأتي في قوله تعالى : إنه لقول فصل في سورة الطارق .

والميقات : مفعال مشتق من الوقت ، والوقت : الزمان المحدد في عمل ما ، ولذلك لا يستعمل لفظ وقت إلا مقيدا بإضافة أو نحوها نحو وقت الصلاة .

فالميقات جاء على زنة اسم الآله وأريد به نفس الوقت المحدد به شيء مثل ميعاد وميلاد ، في الخروج عن كونه اسم آلة إلى جعله اسما لنفس ما اشتق منه . والسياق دل على متعلق ميقات ، أي كان ميقاتا للبعث والجزاء .

فكونه ميقاتا } كناية تلويحية عن تحقيق وقوعه إذ التوقيت لا يكون إلا بزمن محقق الوقوع ولو تأخر وأبطأ .

وهذا رد لسؤالهم تعجيله وعن سبب تأخيره ، سؤالا يريدون منه الاستهزاء بخبره .

والمعنى : أن ليس تأخر وقوعه دالا على انتفاء حصوله .

والمعنى : ليس تكذيبكم به مما يحملنا على تغيير إبانة المحدد له ولكن الله مستدرجكم مدة .

وفي هذا إنذار لهم بأنه لا يدرى لعله يحصل قريبا قال تعالى : ﴿ لا تأتيكم إلا بغتة ﴾ ( الأعراف : 187 ) وقال : ﴿ قل عسى أن يكون قريبا ﴾ ( الإسراء : 51 ) .

و ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ بدل من ﴿ يوم الفصل ﴾ .

وأضيف ﴿ يوم ﴾ إلى جملة ﴿ ينفخ في الصور ﴾ فانتصب ﴿ يوم ﴾ على الظرفية وفتحته فتحة إعراب لأنه أضيف إلى جملة أولها معرب وهو المضارع .

وفائدة هذا البدل حصول التفصيل لبعض أحوال الفصل وبعض أهوال يوم الفصل .

والصور : البوق ، وهو قرن ثور فارغ الوسط مضيق بعض فراغه ويتخذ من

الخشب أو من النحاس ، ينفخ فيه النافخ فيخرج منه الصوت قويا لنداء الناس إلى الاجتماع ، وأكثر ما ينادى به الجيش والجموع المنتشرة لتجتمع إلى عمل يريده الآمر بالنفخ .

وبني ﴿ ينفخ ﴾ إلى النائب لعدم تعلق الغرض بمعرفة النافخ وإنما الغرض معرفة هذا الحادث العظيم وصورة حصوله .

والنفخ في الصور يجوز أن يكون تمثيلا لهيئة دعاء الناس وبعثهم إلى الحشر بهيئة جمع الجيش المتفرق لراحة أو تتبع عدو فلا يلبثون أن يتجمعوا عند مقر أميرهم .

ويجوز أن يكون نفخ يحصل به الإحياء لا تعلم صفته فإن أحوال الآخرة ليست على أحوال الدنيا ، فيكون النفخ هذا معبرا به عن أمر التكوين الخاص وهو تكوين الأجساد بعد بلاها وبث أرواحها في بقاياها . وقد ورد في الآثار أن الملك الموكل بهذا النفخ هو إسرافيل ، وقد تقدم ذكر ذلك غير مرة .

وعطف ﴿ تأتون ﴾ بالفاء لإفادة تعقيب النفخ بمجيئهم إلى الحساب .

والإتيان : الحضور بالمكان الذي يمشي إليه الماشي فالإتيان هو الحصول .

وحذف ما يحصل بين النفخ في الصور وبين حضورهم لزيادة الإيذان بسرعة حصور الإتيان حتى كأنه يحصل عند النفخ في الصور وإن كان المعنى : ينفخ في الصور فتحيون فتسيرون فتأتون .

و ﴿ أفواجا ﴾ حال من ضمير ﴿ تأتون ﴾ ، والأفواج : جمع فوج بفتح الفاء وسكون الواو ، والفوج : الجماعة المتصاحبة من أناس مقسمين باختلاف الأغراض ، فتكون الأمم أفواجا ، ويكون الصالحون وغيرهم أفواجا قال تعالى : ﴿ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ﴾ ( الملك : 8 ) الآية .

والمعنى : فتأتون مقسمين طوائف وجماعات ، وهذا التقسيم بحسب الأحوال كالمؤمنين والكافرين وكل أولئك أقسام ومراتب .

جملة هي حال من ضمير ﴿ تأتون ﴾ ( النبأ : 18 ) .

والتقدير : وقد فتحت السماء ، أي قد حصل النفخ قبل ذلك أو معه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٣