والسجود مستعمل بمعنى الخضوع والخشوع كقوله تعالى : ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ ( الرحمن : 6 ) وقوله : ﴿ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله ﴾ ( النحل : 48 ) ، أي إذا قرىء عليهم القرآن لا يخضعون لله ولمعاني القرآن وحجته ، ولا يؤمنون بحقيته ودليل هذا المعنى مقابلته بقوله : ﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ ( الانشقاق : 22 ) .
وليس في هذه الآية ما يقتضي أن عند هذه الآية سجدة من سجود القرآن والأصح من قول مالك وأصحابه أنها ليست من سجود القرآن خلافا لابن وهب من أصحاب مالك فإنه جعل سجودات القرآن أربع عشرة . وقال الشافعي : هي سنة . وقال أبو حنيفة : واجبة . والأرجح أن عزائم السجود المسنونة إحدى عشرة سجدة وهي التي رويت بالأسانيد الصحيحة عن الصحابة . وإن ثلاث آيات غير الإحدى عشرة آية رويت فيها أخبار أنها سجد النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءتها منها هذه وعارضتها روايات أخرى فهي : إما قد ترك سجودها ، وإما لم يؤكد ومنها قوله تعالى هنا : ﴿ وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون ﴾ . وقال ابن العربي السجود في سورة الانشقاق قول المدنيين من أصحاب مالك ا ه .
قلت : وهو قول ابن وهب ولا خصوصية لهذه الآية بل ذلك في السجدات الثلاث الزائدة على الإحدى عشرة وقد قال مالك في ( الموطأ ) بعد أن روى حديث أبي هريرة : ( الأمر عندنا أن عزائم السجود إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء ) وقال أبو حنيفة والشافعي : سجدات التلاوة أربع عشرة بزيادة سجدة سورة النجم وسجدة سورة الانشقاق وسجدة سورة العلق . وقال أحمد : هن خمس عشرة سجدة بزيادة السجدة في آخر الآية من سورة الحج ففيها سجدتان عنده .
يجوز إنه إضراب انتقالي من التعجيب من عدم إيمانهم وإنكاره عليهم إلى الإخبار عنهم بأنهم مستمرون على الكفر والطعن في القرآن ، فالكلام ارتقاء في التعجيب والإنكار .
فالإخبار عنهم بأنهم يكذبون مستعمل في التعجيب والإنكار فلذلك عبر عنه بالفعل المضارع الذي يستروح منه استحضار الحالة مثل قوله : ﴿ يجادلنا في قوم لوط ﴾ ( هود : 74 ) .
ويجوز أن يكون ﴿ بل ﴾ إضرابا إبطاليا ، أي لا يوجد ما لأجله لا يؤمنون ولا يصدقون بالقرآن بل الواقع بضد ذلك فإن بواعث الإيمان من الدلائل متوفرة ودواعي الاعتراف بصدق القرآن والخضوع لدعوته متظاهرة ولكنهم يكذبون ، أي يستمرون على التكذيب عنادا وكبرياء ويومىء إلى ذلك قوله : ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ ( الانشقاق : 23 ) .
وهذان المعنيان نظير الوجهين في قوله تعالى في سورة الانفطار ( 9 10 ) { بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين .
وفي اجتلاب الفعل المضارع دلالة على حدوث التكذيب منهم وتجدده ، أي بل هم مستمرون على التكذيب عنادا وليس ذلك اعتقادا فكما نفي عنهم تجدد الإيمان وتجدد الخضوع عند قراءة القرآن أثبت لهم تجدد التكذيب .
وقوله : الذين كفروا } إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : بل هم يكذبون ، فعدل إلى الموصول والصلة لما تؤذن به الصلة من ذمهم بالكفر للإيماء إلى علة الخبر ، أي أنهم استمروا على التكذيب لتأصل الكفر فيهم وكونهم ينعتون به .
اعتراض بين جملة ﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ ( الانشقاق : 22 ) ، وجملة : ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ( الانشقاق : 24 ) وهو كناية عن الإنذار والتهديد بأن الله يجازيهم بسوء طويتهم .
ومعنى ﴿ بما يوعون ﴾ بما يضمرون في قلوبهم من العناد مع علمهم بأن ما جاء به القرآن حق ولكنهم يظهرون التكذيب به ليكون صدودهم عنه مقبولا عند أتباعهم وبين مجاوريهم .
وأصل معنى الإيعاء : جعل الشيء وعاء والوعاء بكسر الواو الظرف لأنه يجمع فيه ، ثم شاع إطلاقه على جمع الأشياء لئلا تفوت فصار مشعرا بالتقتير ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وجمع فأوعى ﴾ ( المعارج : 18 ) وفي الحديث : ( لا توعي فيوعي الله عليك ) واستعمل في هذه الآية في الإخفاء لأن الإيعاء يستلزم الإخفاء فهو هنا مجاز مرسل .