تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصل تلك المعاني إما استعارة وإما تمثيل يقال : ركب أمرا صعبا وارتكب خطأ .

وأما كلمة ﴿ طبق ﴾ فحقيقتها أنها اسم مفرد للشيء المساوي شيئا آخر في حجمه وقدره ، وظاهر كلام ( الأساس ) و ( الصحاح ) أن المساواة بقيد كون الطبق أعلى من الشيء لمساويه فهو حقيقة في الغطاء فيكون من الألفاظ الموضوعة لمعنى مقيد كالخوان والكأس ، وظاهر ( الكشاف ) أن حقيقته مطلق المساواة فيكون قيد الاعتلاء عارضا بغلبة الاستعمال ، يقال : طابق النعل النعل .

وأياما كان فهو اسم على وزن فعل إما مشتق من المطابقة كاشتقاق الصفة المشبهة ثم عومل معاملة الأسماء وتنوسي منه الاشتقاق . وإما أن يكون أصله اسم الطبق وهو الغطاء لوحظ فيه التشبيه ثم تنوسي ذلك فجاءت منه مادة المطابقة بمعنى المساواة فيكون من المشتقات من الأسماء الجامدة .

ويطلق اسما مفردا للغطاء الذي يغطى به ، ومنه قولهم في المثل : ( وافق شن طبقه ) أي غطآءه وهذا من الحقيقة لأن الغطاء مساو لما يغطيه . ويطلق الطبق على الحالة لأنها ملابسة لصاحبها كملابسة الطبق لما طبق عليه .

ويطلق اسما مفردا أيضا على شيء متخذ من أدم أو عود ويؤكل عليه وتوضع فيه الفواكه ونحوها ، وكأنه سمي طبقا لأن أصله أن يستعمل غطاء الآنية فتوضع فيه أشياء .

ويطلق اسم جمعع لطبقة : وهي مكان فوق مكان آخر معتبر مثله في المقدار إلا أنه مرتفع عليه . وهذا من المجاز يقال : أتانا طبق من الناس ، أي جماعة .

ويقارن اختلاف معاني اللفظين اختلاف معنى ﴿ عن ﴾ من مجاوزة وهي معنى حقيقي ، أو من مرادفة كلمة ( بعد ) وهو معنى مجازي .

وكذلك اختلاف وجه النصب للفظ طبقا بين المفعول به والحال ، وتزداد هذه المحامل إذا لم تقصر الجمل على ما له مناسبة بسياق الكلام من موقع الجملة عقب آية : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح ﴾ ( الانشقاق : 6 ) الآيات . ومن وقوعها بعد القسم المشعر

بالتأكيد ، ومن اقتضاء فعل المضارعة بعد القسم أنه للمستقبل . فتتركب من هذه المحامل معانن كثيرة صالحة لتأويل الآية .

فقيل المعنى : لتركبن حالا بعد حال ، رواه البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم والأظهر أنه تهديد بأهوال القيامة فتنوين ( طبق ) في الموضعين للتعظيم والتهويل و ﴿ عن ﴾ بمعنى ( بعد ) والبعدية اعتبارية ، وهي بعدية ارتقاء ، أي لتلاقن هولا أعظم من هول ، كقوله تعالى : ﴿ زدناهم عذابا فوق العذاب ﴾ ( النحل : 88 ) . وإطلاق الطبق على الحالة على هذا التأويل لأن الحالة مطابقة لعمل صاحبها .

وروى أبو نعيم عن جابر بن عبد الله تفسير الأحوال بأنها أحوال موت وإحياء ، وحشر ، وسعادة أو شقاوة ، ونعيم أو جحيم ، كما كتب الله لكل أحد عند تكوينه رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن كثير هو حديث منكر وفي إسناده ضعفاء ، أو حالا بعد حال من شدائد القيامة وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن مع اختلاف في تعيين الحال .

وقيل : ﴿ لتركبن ﴾ منزلة بعد منزلة على أن طبقا اسم للمنزلة ، وروي عن ابن زيد وسعيد بن جبير أي لتصيرن من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة ، أو إن قوما كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة ، فالتنوين فيهما للتنويع .

وقيل : من كان على صلاح دعاه إلى صلاح آخر ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه ، لأن كل شيء يجر إلى شكله ، أي فتكون الجملة اعتراضا بالموعظة وتكون ﴿ عن ﴾ على هذا على حقيقتها للمجاوزة ، والتنوين للتعظيم .

ويحتمل أن يكون الركوب مجازا في السير بعلاقة الإطلاق ، أي لتحضرن للحساب جماعات بعد جماعات على معنى قوله تعالى : ﴿ إلى ربك يومئذ المساق ﴾ ( القيامة : 30 ) وهذا تهديد لمنكريه ، وأن يكون الركوب مستعملا في المتابعة ، أي لتتبعن . وحذف مفعول : ( تركبن ) بتقدير : ليتبعن بعضكم بعضا ، أي في تصميمكم على إنكار البعث . ودليل المحذوف هو قوله : ﴿ طبقا عن طبق ﴾ ويكون ﴿ طبقا ﴾ مفعولا به وانتصاب ﴿ طبقا ﴾ إما على الحال من ضمير ﴿ تركبن ﴾ . وإما على المفعولية به على حسب ما يليق بمعاني ألفاظ الآية .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٢١