وهذا الذي أشير إليه هنا قد صرح به في مواضع من القرآن كقوله تعالى : ﴿ ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ﴾ ( ق : 9 11 ) ففي الآية استدلالان : استدلال بإنزال الماء من السحاب ، واستدلال بالإنبات ، وفي هذا أيضا منة على المعرضين عن النظر في دلائل صنع الله التي هي دواع لشكر المنعم بها لما فيها من منافع للناس من رزقهم ورزق أنعامهم ، ومن تنعمهم وجمال مرائيهم فإنهم لو شكروا المنعم بها لكانوا عندما يبلغهم عنه أنه يدعوهم إلى النظر في الأدلة مستعدين للنظر ، بتوقع أن تكون الدعوة البالغة إليهم صادقة العزو إلى الله فما خفيت عنهم الدلالة .
ومناسبة الانتقال من ذكر السماوات إلى ذكر السحاب والمطر قوية .
والمعصرات : بضم الميم وكسر الصاد السحابات التي تحمل ماء المطر واحدتها معصرة اسم فاعل من : أعصرت السحابة ، إذا آن لها أن تعصر ، أي تنزل إنزالا شبيها بالعصر . فهمزة ( أعصر ) تفيد معنى الحينونة وهو استعمال موجود وتسمى همزة التهيئة كما في قولهم : أجز الزرع ، إذا حان له أن يجز ( بزاي في آخره ) وأحصد إذا حان وقت حصاده . ويظهر من كلام صاحب ( الكشاف ) أن همزة الحينونة تفيد معنى التهيؤ لقبول الفعل وتفيد معنى التهيؤ لإصدار الفعل فإنه
ذكر : أعصرت الجارية ، أي حان وقت أن تصير تحيض ، وذكر ابن قتيبة في ( أدب الكاتب ) : أركب المهر ، إذا حان أن يركب ، وأقطف الكرم ، إذا حان أن يقطف . ثم ذكر : أقطف القوم : حان أن يقطفوا كرومهم ، وأنتجت الخيل : حان وقت نتاجها .
وفي تفسير ابن عطية عند قوله تعالى : ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحابا الآية من سورة النور ، والعرب تقول : إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاما جاء بالريح عصر بعضه بعضا فيخرج الودق منه ، ومن ذلك قوله : وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ﴾ ومن ذلك قول حسان :
كلتاهما حلب العصير فعاطني
بزجاجة أرخاهما للمفصل
أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت به ، أي هذه من عصير العنب وهذه من عصير السحاب ، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري للقوم الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان ا ه .
والثجاج : المنصب بقوة وهو فعال من ثج القاصر إذا انصب ، يقال : ثج الماء ، إذا انصب بقوة ، فهو فعل قاصر . وقد يسند الثج إلى السحاب ، يقال : ثج السحاب يثج بضم الثاء ، إذا صب الماء ، فهو حينئذ فعل متعد .
ووصف الماء هنا بالثجاج للامتنان .
وقد بينت حكمة إنزال المطر من السحاب بأن الله جعله لإنبات النبات من الأرض جمعا بين الامتنان والإيماء إلى دليل تقريب البعث ليحصل إقرارهم بالبعث وشكر الصانع .
وجيء بفعل ﴿ لنخرج ﴾ دون نحو : لننبت ، لأن المقصود الإيماء إلى تصوير كيفية بعث الناس من الأرض إذ ذلك المقصد الأول من هذا الكلام ألا ترى أنه لما كان المقصد الأول من آية سورة ( ق ) هو الامتنان جيء بفعل ( أنبتنا ) في قوله :
﴿ ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات ﴾ ( ق : 9 ) الآية . ثم أتبع ثانيا بالاستدلال به على البعث بقوله : ﴿ كذلك الخروج ﴾ ( ق : 11 ) . والبعث خروج من الأرض قال تعالى : { ومنها نخرجكم تارة أخرى في سورة طه .
والحب : اسم جمع حبة وهي البرزة . والمراد بالحب هنا : الحب المقتات للناس مثل : الحنطة ، والشعير ، والسلت ، والذرة ، والأرز ، والقطنية ، وهي الحبوب التي هي ثمرة السنابل ونحوها .
والنبات أصله اسم مصدر نبت الزرع ، قال تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا } ( نوح : 17 ) وأطلق النبات على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وأصله المبالغة ثم شاع استعماله فنسيت المبالغة .