و ﴿ ما أدراك ما يوم الدين ﴾ : تركيب مركب من ﴿ ما ﴾ الاستفهامية وفعل الدراية المعدى بالهمزة فصار فاعله مفعولا زائدا على مفعولي درى ، وهو من قبيل : أعلم وأرى ، فالكاف مفعوله الأول ، وقد علق على المفعولين الآخرين ب ﴿ ما ﴾ الاستفهامية الثانية .
والاستفهام الأول مستعمل كناية عن تعظيم أمر اليوم وتهويله بحيث يسأل المتكلم من يسمعه عن الشيء الذي يحصل له الدراية بكنه ذلك اليوم ، والمقصود أنه لا تصل إلى كنهه دراية دار .
والاستفهام الثاني حقيقي ، أي سئال سائل عن حقيقة يوم الدين كما تقول : علمت هل زيد قائم ، أي علمت جواب هذا السؤال .
ومثل هذا التركيب مما جرى مجرى المثل فلا يغير لفظه ، وقد تقدم بيانه مستوفى عند قوله تعالى : ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ ( الحاقة : 3 ) .
تكرير للتهويل تكريرا يؤذن بزيادته ، أي تجاوزه حد الوصف والتعبير فهو من التوكيد اللفظي ، وقرن هذا بحرف ﴿ ثم ﴾ الذي شأنه إذا عطف جملة على أخرى أن يفيد التراخي الرتبي ، أي تباعد الرتبة في الغرض المسوق له الكلام ، وهي في هذا المقام رتبة العظمة والتهويل ، فالتراخي فيها هو الزيادة .
.
في هذا بيان للتهويل العظيم المجمل الذي أفاده قوله : ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين ﴾ ( الانفطار : 17 ، 18 ) إذ التهويل مشعر بحصول ما يخافه المهول لهم فاتبع ذلك بزيادة التهويل مع التأييس من وجدان نصير أو معين .
وقرأه الجمهور بفتح ﴿ يوم ﴾ فيجوز أن يجعل بدلا مطابقا ، أو عطف بيان من ﴿ يوم الدين ﴾ المرفوع ب ﴿ ما أدراك ﴾ وتجعل فتحته فتحة بناء لأن اسم الزمان إذا أضيف إلى جملة فعلية وكان فعلها معربا جاز في اسم الزمان أن يبنى على الفتح وأن يعرب بحسب العوامل .
ويجوز أيضا أن يكون بدلا مطابقا من ﴿ يوم الدين ﴾ المنصوب على الظرفية في قوله : ﴿ يصلونها يوم الدين ﴾ ( الانفطار : 15 ) ، ولا يفوت بيان الإبهام الذي في قوله : ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ ( الانفطار : 17 ) لأن ﴿ يوم الدين ﴾ المرفوع المذكور ثانيا هو عين ﴿ يوم الدين ﴾ المنصوب أولا ، فإذا وقع بيان للمذكور أولا حصل بيان المذكور ثانيا إذ مدلولهما يوم متحد .
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مرفوعا ، فيتعين أن يكون بدلا أو بيانا من ﴿ يوم الدين ﴾ الذي في قوله : ﴿ وما أدراك ما يوم الدين ﴾ .
ومعنى ﴿ لا تملك نفس لنفس شيئا ﴾ : لا تقدر نفس على شيء لأجل نفس أخرى ، أي لنفعها ، لأن شأن لام التعليل أن تدخل على المنتفع بالفعل عكس ( على ) ، فإنها تدخل على المتضرر كما في قوله تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما
اكتسبت } ( البقرة : 286 ) ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { وما أملك لك من الله من شيء في سورة الممتحنة .
وعموم نفس } الأولى والثانية في سياق النفي يقتضي عموم الحكم في كل نفس .
و ﴿ شيئا ﴾ اسم يدل على جنس الموجود ، وهو متوغل في الإبهام يفسره ما يقترن به في الكلام من تمييز أو صفة أو نحوهما ، أو من السياق ، ويبينه هنا ما دل عليه فعل ﴿ لا تملك ﴾ ولام العلة ، أي شيئا يغني عنها وينفعها كما في قوله تعالى : ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء في سورة يوسف ، فانتصب شيئا ﴾ على المفعول به لفعل ﴿ لا تملك ﴾ ، أي ليس في قدرتها شيء ينفع نفسا أخرى .
وهذا يفيد تأييس المشركين من أن تنفعهم أصنامهم يومئذ كما قال تعالى : ﴿ وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ﴾ ( الأنعام : 94 ) .
.
وجملة ﴿ والأمر يومئذ لله ﴾ تذييل ، والتعريف في ﴿ الأمر ﴾ للاستغراق . والأمر هنا بمعنى : التصرف والإذن وهو واحد الأوامر ، أي لا يأمر إلا الله ويجوز أن يكون الأمر مرادفا للشيء فتغيير التعبير للتفنن .
والتعريف على كلا الوجهين تعريف الجنس المستعمل لإرادة الاستغراق ، فيعم كل الأمور وبذلك العموم كانت الجملة تذييلا .