تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها . وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن ؛ إذ الناس يومئذ قريب عهدهم بكفر . ولا بد من الجمع بين أدلة الكتاب والسنة .

| 2 ( 276 ) ﴿ يمحق الله الربواا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ . ) 2

استئناف لبيان سوء عاقبة الربا في الدنيا بعد أن بينت عاقبته في الآخرة ، فهو استئناف بياني لتوقع سؤالل من يسأل عن حال هؤلاء الذين لا ينتهون بموعظة الله . وقوله : ﴿ ويربى الصدقات ﴾ استطراد لبيان عاقبة الصدقة في الدنيا أيضا ببيان أن المتصدق يفوز بالخير في الدارين كما باء المرابي بالشر فيهما ، فهذا وعد ووعيد دنيويان .

والمحق هو كالمحو : بمعنى إزالة الشيء ، ومنه محاق القمر ذهاب نوره ليلة السرار . ومعنى ﴿ يمحق الله الربا ﴾ أنه يتلف ما حصل منه في الدنيا ، ﴿ ويربي الصدقات ﴾ أي يضاعف ثوابها لأن الصدقة لا تقبل الزيادة إلا بمعنى زيادة ثوابها ، وقد جاء نظيره في قوله في الحديث : ( من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا تلقاها الرحمن بيمينه وكلتا يديه يمين فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه ) . ولما جعل المحق بالربا وجعل الإرباء بالصدقات كانت المقابلة مؤذنة بحذف مقابلين آخرين ، والمعنى : يمحق الله الربا ويعاقب عليه ، ويربي الصدقات ويبارك لصاحبها ، على طريقة الاحتباك .

وجملة : ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ معترضة بين أحكام الربا . ولما كان شأن الاعتراض ألا يخلو من مناسبة بينه وبين سياق الكلام ، كان الإخبار بأن الله لا يحب جميع الكافرين مؤذنا بأن الربا من شعار أهل الكفر ، وأنهم الذين استباحوه فقالوا إنما البيع مثل الربا ، فكان هذا تعريضا بأن المرابي متسم بخلال أهل الشرك .

ومفاد التركيب أن الله لا يحب أحدا من الكافرين الآثمين لأن ( كل ) من صيغ العموم ، فهي موضوعة لاستغراق أفراد ما تضاف إليه وليست موضوعة للدلالة على

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٩١