الثاني أن في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاق الاشتغال في الاكتساب ؛ لأنه إذا تعود صاحب المال أخذ الربا خف عنه اكتساب المعيشة ، فإذا فشا في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق لأن مصلحة العالم لا تنتظم إلا بالتجارة والصناعة والعمارة .
الثالث أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض .
الرابع أن الغالب في المقرض أن يكون غنيا ، وفي المستقرض أن يكون فقيرا ، فلو أبيح الربا لتمكن الغني من أخذ مال الضعيف .
وقد أشرنا فيما مر في الفرق بين الربا والبيع إلى علة تحريمه وسنبسط ذلك عند قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة من سورة آل عمران ( 130 ) .
هذا وقد تعرضت الآية إلى حكم هو تحليل البيع وتحريم الربا ؛ لأنها من قول الله تعالى لإعلان هذا التشريع بعد تقديم الموعظة بين يديه .
و ( أل ) في كل من البيع والربا لتعريف الجنس ، فثبت بها حكم أصلين عظيمين في معاملات الناس محتاج إليهما فيها : أحدهما يسمى بيعا والآخر يسمى ربا . أولهما مباح معتبر كونه حاجيا للأمة ، وثانيهما محرم ألغيت حاجيته لما عارضها من المفسدة . وظاهر تعريف الجنس أن الله أحل البيع بجنسه فيشمل التحليل سائر أفراده ، وأنه حرم الربا بجنسه كذلك . ولما كان معنى أحل الله البيع } ( البقرة : 275 ) أذن فيه كان في قوة قضية موجبة ، فلم يقتض استغراق الجنس بالصيغة ، ولم تقم قرينة على قصد الاستغراق قيامها في نحو الحمد لله ، فبقي محتملا شمول الحل لسائر أفراد البيع . ولما كان البيع قد تعتريه أسباب توجب فساده وحرمته تتبعت الشريعة أسباب تحريمه ، فتعطل احتمال الاستغراق في شأنه في هذه الآية .
أما معنى قوله : ﴿ وحرم الربوا ﴾ فهو في حكم المنفي لأن حرم في معنى منع ، فكان مقتضيا استغراق جنس الربا بالصيغة ؛ إذ لا يطرأ عليه ما يصيره حلالا .
ثم اختلف علماء الإسلام في أن لفظ الربا في الآية باق على معناه المعروف في اللغة ، أو هو منقول إلى معنى جديد في اصطلاح الشرع .