تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجملة ﴿ لا يستطيعون ضربا ﴾ يجوز أن تكون حالا ، وأن تكون بيانا لجملة أحصروا .

وقوله : ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء ﴾ حال من الفقراء ، أي الجاهل بحالهم من الفقر يظنهم أغنياء ، ومن للابتداء لأن التعفف مبدأ هذا الحسبان .

والتعفف تكلف العفاف وهو النزاهة عما يليق . وفي ( البخاري ) باب الاستعفاف عن المسألة ، أخرج فيه حديث أبي سعيد : أن الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى نفد ما عنده فقال : ( ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغنن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ) .

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وخلف ويعقوب يحسبهم بكسر السين وقرأه الباقون بفتح السين ، وهما لغتان .

ومعنى ﴿ تعرفهم بسماهم ﴾ أي بعلامة الحاجة والخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب ، وليس للرسول لأنه أعلم بحالهم . والمخاطب بتعرفهم هو الذي تصدى لتطلع أحوال الفقراء ، فهو المقابل للجاهل في قوله : ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء ﴾ .

والجملة بيان لجملة ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء ﴾ ، كأنه قيل : فبماذا تصل إليهم صدقات المسلمين إذا كان فقرهم خفيا ، وكيف يطلع عليهم فأحيل ذلك على مظنة المتأمل كقوله : ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ ( الحجر : 75 ) .

والسيما العلامة ، مشتقة من سام الذي هو مقلوب وسم ، فأصلها وسمى ، فوزنها عفلى ، وهي في الصورة فعلى ، يدل لذلك قولهم سمة ؛ فإن أصلها وسمة . ويقولون سيمى بالقصر وسيماء بالمد وسيمياء بزيادة ياء بعد الميم وبالمد ، ويقولون سوم إذا جعل سمة . وكأنهم إنما قلبوا حروف الكلمة لقصد التوصل إلى التخفيف بهذه الأوزان لأن قلب عين الكلمة متأت بخلاف قلب فائها . ولم يسمع من كلامهم فعل مجرد من سوم المقلوب ، وإنما سمع منه فعل مضاعف في قولهم سوم فرسه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٧٥