وانتصب ﴿ ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا ﴾ على الحال بتأويل المصدر بالوصف ، أي مبتغين مرضاة الله ومثبتين من أنفسهم . ولا يحسن نصبهما على المفعول له ، أما قوله ( ابتغاء ) فلأن مفاد الابتغاء هو مفاد اللام التي ينتصب المفعول لأجله بإضمارها ، لأن يؤول إلى معنى لأجل طلبهم مرضاة الله ، وأما قوله ( وتثبيتا ) فلأن حكمه حكم ما عطف هو عليه .
والتثبيت تحقيق الشيء وترسيخه ، وهو تمثيل يجوز أن يكون لكبح النفس عن التشكك والتردد ، أي أنهم يمنعون أنفسهم من التردد في الإنفاق في وجوه البر ولا يتركون مجالا لخواطر الشح ، وهذا من قولهم ثبت قدمه أي لم يتردد ولم ينكص ، فإن إراضة النفس على فعل ما يشق عليها لها أثر في رسوخ الأعمال حتى تعتاد الفضائل وتصير لها ديدنا .
وإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس لأن المال ليس أمرا هينا على النفس ، وتكون ( من ) على هذا الوجه للتبعيض ، لكنه تبعيض مجازي باعتبار الأحوال ، أي تثبيتا لبعض أحوال النفس .
وموقع ( من ) هذه في الكلام يدل على الاستنزال والاقتصاد في تعلق الفعل ، بحيث لا يطلب تسلط الفعل على جميع ذات المفعول بل يكتفى ببعض المفعول ، والمقصود الترغيب في تحصيل الفعل والاستدراج إلى تحصيله ، وظاهر كلام ( الكشاف ) يقتضي أنه جعل التبعيض فيها حقيقيا .
ويجوز أن يكون تثبيتا تمثيلا للتصديق أي تصديقا لوعد الله وإخلاصا في الدين ليخالف حال المنافقين ؛ فإن امتثال الأحكام الشاقة لا يكون إلا عن تصديق للآمر بها ، أي يدلون على تثبيت من أنفسهم .
و ( من ) على هذا الوجه ابتدائية ، أي تصديقا صادرا من أنفسهم .
ويجيء على الوجه الأول في تفسير التثبيت معنى أخلاقي جليل أشار إليه الفخر ، وهو ما تقرر في الحكمة الخلقية أن تكرر الأفعال هو الذي يوجب حصول الملكة الفاضلة في النفس ، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها ، وبلا كلفة ولا