تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله : ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ معناه لينبت ويتحقق علمي وينتقل من معالجة الفكر والنظر إلى بساطة الضرورة بيقين المشاهدة وانكشاف المعلوم انكشافا لا يحتاج إلى معاودة الاستدلال ودفع الشبه عن العقل ، وذلك أن حقيقة يطمئن يسكن ، ومصدره الاطمئنان ، واسم المصدر الطمأنينة ، فهو حقيقة في سكون الأجسام ، . وإطلاقه على استقرار العلم في النفس وانتفاء معالجة الاستدلال أصله مجاز بتشبيه التردد وعلاج الاستدلال بالاضطراب والحركة ، وشاع ذلك المجاز حتى صار مساويا للحقيقة ، يقال اطمأن باله واطمأن قلبه .

والأظهر أن اطمأن وزنه افعلل وأنه لا قلب فيه ، فالهمزة فيه هي لام الكلمة والميم عين الكلمة ، وهذا قول أبي عمرو وهو البين إذ لا داعي إلى القلب ، فإن وقوع الهمزة لا ما أكثر وأخف من وقوعها عينا ، وذهب سيبويه إلى أن اطأمن مقلوب وأصله اطمأن وقد سمع طمأنته وطأمنته وأكثر الاستعمال على تقديم الميم على الهمزة ، والذي أوجب الخلاف عدم سماع المجرد منه إذ لم يسمع طمن .

والقلب مراد به العلم إذ القلب لا يضطرب عند الشك ولا يتحرك عند إقامة الدليل وإنما ذلك للفكر ، وأراد بالاطمئنان العلم المحسوس وانشراح النفس به وقد دله الله على طريقة يرى بها إحياء الموتى رأي العين .

وقوله : ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ اعلم أن الطير يطلق على الواحد مرادفا لطائر ؛ فإنه من التسمية بالمصدر وأصلها وصف فأصلها الوحدة ، ولا شك في هذا الإطلاق ، وهو قول أبي عبيدة والأزهري وقطرب ولا وجه للتردد فيه ، ويطلق على وجمعه أيضا وهو اسم جمع طائر كصحب وصاحب ، وذلك أن أصله المصدر والمصدر يجري على الواحد وعلى الجمع .

وجيء بمن للتبعيض لدلالة على أن الأربعة مختلفة الأنواع ، والظاهر أن حكمة التعدد والاختلاف زيادة في تحقق أن الإحياء لم يكن أهون في بعض الأنواع دون بعض ، فلذلك عددت الأنواع ، ولعل جعلها أربعة ليكون وضعها على الجهات الأربع : المشرق والمغرب والجنوب والشمال لئلا يظن لبعض الجهات مزيد اختصاص بتأتي الإحياء ، ويجوز أن المراد بالأربعة أربعة أجزاء من طير واحد فتكون اللام للعهد إشارة إلى طير

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٣٩