وإذ قال } ظرف لحاج . وقد دل هذا على أن إبراهيم هو الذي بدأ بالدعوة إلى التوحيد واحتج بحجة واضحة يدركها كل عاقل وهي أن الرب الحق هو الذي يحيي ويميت ؛ فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه لا يستطيع إحياء ميت فلذلك ابتدأ إبراهيم الحجة بدلالة عجز الناس عن إحياء الأموات ، وأراد بأن الله يحيي أنه يخلق الأجسام الحية من الإنسان والحيوان وهذا معلوم بالضرورة . وفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث لأن الذي حاج إبراهيم كان من عبدة الأصنام ، وهم ينكرون البعث . وذلك موضع العبرة من سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشرك ، ثم أعقبه بدلالة الأمانة ، فإنه لا يستطيع تنهية حياة الحي ، ففي الإحياء والأمانة دلالة على أنهما من فعل فاعل غير البشر ، فالله هو الذي يحيي ويميت . فالله هو الباقي دون غيره الذين لا حياة لهم أصلا كالأصنام إذ لا يعطون الحياة غيرهم وهم فاقدوها ، ودون من لا يدفع الموت على نفسه مثل هذا الذي حاج إبراهيم .
وجملة ﴿ قال أنا أحيي ﴾ بيان لحاج والتقدير حاج إبراهيم قال أنا أحيي وأميت حين قال له إبراهيم ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ . وقد جاء بمغالطة عن جهل أو غرور في الإحياء والإماتة إذ زعم أنه يعمد إلى من حكم عليه بالموت فيعفو عنه ، وإلى بريء فيقتله ، كذا نقلوه . ويجوز أن يكون مراده أن الإحياء والإماتة من فعله هو لأن أمرهما خفي لا يقوم عليه برهان محسوس .
وقرأ الجمهور ألف ضمير ( أنا ) بقصر الألف بحيث يكون كفتحة غير مشبعة وذلك استعمال خاص بألف ( أنا ) في العربية . وقرأه نافع وأبو جعفر مثلهم إلا إذا وقع بعد الألفف همزة قطع مضمومة أو مفتوحة كما هنا ، وكما في قوله تعالى : ﴿ وأنا أول المسلمين ﴾ ( الأنعام : 163 ) فيقرأه بألف ممدودة . وفي همزة القطع المكسورة روايتان لقالون عن نافع نحو قوله تعالى : ﴿ إن أنا إلا نذير ﴾ ( الأعراف : 188 ) وهذه لغة فصيحة .
وقوله : ﴿ قال إبراهيم ﴾ مجاوبة فقطعت عن العطف جريا على طريقة حكاية المحاورات ، وقد عدل إبراهيم عن الاعتراض بأن هذا ليس من الإحياء المحتج به ولا من الإماتة المحتج بها ، فأعرض عنه لما علم من مكابرة خصمه وانتقل إلى ما لا يستطيع الخصم انتحاله ، ولذلك بهت ، أي عجز لم يجد معارضة .