عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر الدال على الجنس ، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا طريقة لحمل اسم ذات على اسم ذات إلا بواسطة بعض الحروف ، فصار التركيب : ما كان له أن يفعل ، ويقال أيضا : ليس له أن يفعل ، ومثل ذلك في الإثبات كقوله تعالى : ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ﴾ ( طه : 118 ) .
فمعنى الآية : ليس قول ﴿ كونوا عبادا لي ﴾ حقا لبشر أي بشر كان . وهذه اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو ﴿ وما كان الله ليعذبهم ﴾ ( الأنفال : 33 ) ، فتراكيب لام الجحود كلها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي ، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولا لأجل فعل كذا ، أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحودا .
والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة ، ولكن قد علم أن مصب النفي هو المعطوف من قوله : ﴿ ثم يقول للناس كونوا عبادا لي ﴾ أي ما كان له أن يقول كونوا عبادا لي إذا آتاه الله الكتاب إلخ .
والعباد جمع عبد كالعبيد ، وقال ابن عطية : ( الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير ، والعبيد يقصد منه ، ولذلك قال تعالى : ( يا عبادي ) وسمت العرب طوائف من العرب سكنوا الحيرة ودخلوا تحت حكم كسرى بالعباد ، وقيل لأنهم تنصروا فسموهم بالعباد ، بخلاف جمعه على عبيد كقولهم : هم عبيد العصا ، وقال حمزة بن المطلب هل أنتم إلا عبيد لأبي ومنه قول الله تعالى : ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ ( فصلت : 46 ) ؛ لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلام لهم مع ذلك ، ولما كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك آنس بها في قوله تعالى : ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ ( الزمر : 53 ) فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية ) . اه .
وقوله : ﴿ من دون الله ﴾ قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عبادا للقائل بأن ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر ، لأن حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين ، فإن النصارى لما جعلوا عيسى ربا لهم ، وجعلوه ابنا لله ، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله فلا جدوى لقولهم : نحن عبد الله وعبيد عيسى ، فلذلك