وقوله : ﴿ إلا ما دمت عليه قائما ﴾ أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة : كقوله : ﴿ قائما بالقسط ﴾ ( آل عمران : 18 ) أي لا يفعل إلا العدل .
وعدي ( قائما ) بحرف ( على ) لأن القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة .
و ( ما ) من قوله : ﴿ إلا ما دمت عليه قائما ﴾ حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر ، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزم حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية . وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف ، ولكنها مستفادة من موقع ( ما ) في سياق كلام يؤذن بالزمان ، ويكثر ذلك في دخول ( ما ) على الفعل المتصرف من مادة دام ومرادفها .
و ( ما ) في هذه الآية كذلك فالمعنى : لا يؤده إليك إلا في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه . والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة ، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء ، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعد الموت .
والاستثناء من قوله : ﴿ إلا ما دمت عليه قائما ﴾ يجوز أن يكون استثناء مفرغا من أوقات يدل عليها موقع ( ما ) والتقدير لا يؤده إليك في جميع الأزمان إلا زمانا تدوم عليه فيه قائما فيكون ما بعد ( إلا ) نصبا على الظرفف ، ويجوز أن يكون مفرغا من مصادر يدل عليها معنى ( ما ) المصدرية ، فيكون ما بعده منصوبا على الحال لأن المصدر يقع حالا .
وقدم المجرور على متعلقه في قوله : ﴿ عليه قائما ﴾ للاهتمام بمعنى المجرور ، ففي تقديمه معنى الإلحاح ، أي إذا لم يكن قيامك عليه لا يرجع لك أمانتك .
والإشارة في قوله : ﴿ ذلك بأنهم قالوا ﴾ إلى الحكم المذكور وهو ﴿ إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب .
والباء للسبب أي ذلك مسبب عن أقوال اختلقوها ، وعبر عن ذلك بالقول ، لأن القول يصدر عن الإعتقاد ، فلذا ناب منابه فأطلق على الظن في مواضع من كلام العرب .
وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم ، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة .